الرئيسية 8 الاخبار والمقالات 8 اخبار ثقافية وعلمية 8 من معـارك المنطقـة الثالثة.. الميمونـة.. المعركة التي حطمت غرور فرنسـا
من معـارك المنطقـة الثالثة.. الميمونـة.. المعركة التي حطمت غرور فرنسـا

من معـارك المنطقـة الثالثة.. الميمونـة.. المعركة التي حطمت غرور فرنسـا

 

احتضنت المنطقة الثالثة سلسلة من الأحداث والمعارك الكبرى والعمليات الفدائية الناجحة التي رددت صداها جبال المنطقة وشعابها وبلغت أخبارها أسماع الدنيا ، وسجلت وقائعها أقلام المؤرخين وخلدت صورها قصائد الشعراء والفنانين.
من بين أكبر هذه المعارك وأشرسها وأعنفها معركة جبل “الميمونة” المنيع الواقع بحدود القسمة 52،بالناحية الأولى المنطقة الثالثة الولاية السادسة ، والجبل عبارة عن كتلة صخرية شاهقة من سلسلة جبال أولاد نايل تتخللها شعاب وكهوف وأودية، يكسوها غطاء نباتي خفيف وبعض أنواع الأشجار القليلة ،تقع إلى الجنوب الغربي من مدينة بن سرور على مسافة 20كلم تقريبا ، ويقدر ارتفاعها عن سطح البحر بحوالي الألف متر .
كانت نتائج معركة الميمونة وتسمى أيضا (معركة رمضان )الخالدة التي جرت وقائعها بهذا الجبل الشامخ نصرا مؤزرا للثورة وأبنائها ، وهزيمة منكرة ونكبة قاسية حطمت غرور فرنسا وكبرياءها وأذلت جيشها وأتباعها،وقد استقينا أحداث هذه المعركة من عدة مصادر أهمها شهادات حية لبعض المجاهدين ممن أكرمهم الله وكانوا من صناع فصول هذه الملحمة الرائعة ،وفي مقدمة هؤلاء القائد الميداني لمعركة الميمونة المجاهد الفذ الملازم علي مهيري أمده الله بالصحة وطول العمر ، وهو على حد وصف رفيقه المجاهد الرائد الطاهر لعجال :”رجل وطني صادق في قوله مخلص في جهاده ، وقد أكرمني باستقباله في بيته العامر بمدينة بوسعادة وأبدى استعداده وترحيبه لإفادتي بكل ما يتعلق بمجريات هذه المعركة وغيرها ، وحتى وان بدا لي أن هناك اختلافابيّنا في بعض التفاصيل والأرقام غير أن الثابت في هذه المعركة ـ بحسب كل الروايات والشهادات ـ أن الميمونة الدامية كانت مصيدة حقيقية ومقتلة قاسية للجيش الفرنسي سيظل تاريخ فرنسا الاستعماري ينوء بعبئها و يتذكر هزيمته فيها بطعم المرارة ، فهي أكبر و أشرس معركة على الإطلاق في تاريخ الولاية السادسة ، وأعتقد أنها من كبريات معارك الثورة التي خاضها جيش التحرير على المستوى الوطني تقترب في شدتها و شراستها من معركة الجرف ،وكانت الميمونة ثالث معركة بالمنطقة الثالثة كلها بحسب ترتيب الشاعر الثوري مدني رحمون لمعارك الولاية حيث يقول: ” الزرقة و محارقة والميمونة

***والنسينيسة شوف بعض التفصيلات”.
وعندما طلبت من هذا القائد الميداني أن يحدثني عن معركة الميمونة سألني: عن أي معركة أحدثك ؟ فالميمونة وحدها شهدت ثلاث معارك كبرى كان النصر فيها جميعا لجيش التحرير،فقلت حدثني عن أكبر هذه المعارك وأشدها وأعظمها..فاستجمع قواه واستفز ذاكرته وعاد به الشوق والحنين إلى تلك الأيام الخالدات وبدأ في سرد وقائع هذه الملحمة وكأنه يقرأ من كتاب مفتوح..
لقد تجمعت للقوات الاستعمارية الفرنسية معلومات استخبارية عن الخطر الذي بات يمثله ثوار جيش التحرير الوطني المتمركزين على طول سلسلة جبال الأطلس الصحراوي وسفوحها من جهتي الشمال والجنوب على فلول الاحتلال ، فانزعج كبيرهم الجنرال ماسي Le général Massu لهذه المعلومات أيما انزعاج، وجمع خبراءه العسكريين و قادة أركانه ومستشاريه وتدارس معهم الأمر وأعد العدة وعقد العزم على القيام بحملة تمشيط واسعة بهدف تطهير هذه المنطقة واجتثاث ذلك الخطر المتربص بجيشه مهما كلفه الأمر ، وعلى الأثر نزلت برقية بمضمون العملية التي يعتزم القيام بها إلى قائد جيشه بمركز وادي الــشعير وكان وقتها بقيادة Le Colonel Jean Pouget ،فالتقط محتوى هذه البرقية أحد الجزائريين العاملين بمكتب قائد المصالح الإداريــة الخاصـــة بوادي الشعـــير SERVICES ADMINISTRATIFS SPICIELS. SAS ” قيل إن هذا الكاتب يُدعى سرقيــن علي” وحولها مباشرة إلى قيادة المجاهدين بجبال الميمونة- التي هي ضمن مخطط التمشيط الفرنسي المقرر تنفيذه ـ وكــانت يومها بقيادة القائد الشهيد الرويني السعدي، وكان هناك السعيد بن الشايب نائب سي الحواس الــذي حضر صدفة إلى المكان ، فدعا لعقد اجتماع فوري لقادة وحدات جيش التحرير لدراسة مضمون البرقية ووضعهم في صورة ما يخطط له جيش الاستعمار ، ويبدو أن المجاهدين تحمسوا لهذه المواجـهة التي ذكرتهم بمعركة بدر الكبرى بين الكفر والإيمان ، خصوصا وأن الأجواء و الظروف والملابســات المحيطة بهذه المعركة تشبه إلى حد ما معركة بدر الكبرى من عدة أوجه ..فهم في شهر رمضان شهر الصبر و الانتصــارات، وحالهم من العدة والعدد تشبه حال مجاهدي بدر ، وحال الجيش الاستعماري من حيث الغطرسة والجبروت و قـــوة التسليح وكثرة العدد تشبه حال كفار قريش ، فقرروا خوض هذه المنازلة متوكلين علــى الله الواحد القهار تيمنا بهذه المعركة الفاصلة في تاريخ الإسلام علها تكون مثلها فاصلة في مسيرة الثورة ، وقد تم في هذا الاجتماع وضع خطة محكمة (كمين) لمواجهة قوات الاستعمـار ، و أُسندت قيادة المعركة عمليا للقائد الرويني السعدي الذي كانت المنطقة يومها تحت إمرته ، وتم توزيع المجاهدين إلى فرق أسندت قيادتها إلى المساعد علي مهيري (الذي يقود كتيبة من 110 مجاهدا يضاف إليهم 13 جنديا كانوا متوجهين مع الرويني إلى المنيعة)، وبن المداني عبد الجبار ، وأحمد بوهالي ، تحت القيادة المباشرة للقائد الرويني السعدي ،وإشراف السعيد بن الشايب نائب سي الحواس الموجود في تونس وقتها ،وشرع القــادة الميدانيون، في وضع الخطة المتفق عليها موضع التنفيذ الفعلي ، واختير مكان المواجهة في قلب “العرعار” بجبل الميمونة المنيع ، وشرع الرجال في إعداد المكان إعدادا محكما بحفر الخنادق وتوفير كل سبل ووسائل و متطلبات الصمود و الانتصار في هذه الملحمة التي ستكون حدثا مزلزلا لفرنسا وعملائها وتاج عز وفخار على رؤوس الأحرار وطلاب الحرية والكرامة ثوار جيش التحرير الجزائري .
و يواصل الملازم علي مهيري سرد مشاهد ذلك اليوم المشهود الذي سيبقى غُرة في جبيـــن الزمن..”بعد مرور ثلاثة أيام منذ وصول الرسالة إلى قيادة الثورة ، ومع بزوغ فجر اليوم الرابع الموافق ليوم الاثنين: 8 أفريل 1957 “8رمضان 1376هـ ” خرج أحد الحراس من مكمنه مسرعا وراح ينادي ويشير بيده انظروا فقد أحاطت بنا باريس فنظرت وإذا بخط متصل من الأضواء المبهرة تملأ الأفق وضجيج الآليات والشاحنات يصم الآذان ففهمنا أن فرنسا قد فعلتها ونوت بنا شرا وغدرا ، فصدرت الأوامــر للجنود وأُعلنت حالة التأهب القصوى وأخذ كل واحد مكانه في مكمنه ويده على الزناد بانتظار الإشارة، ومع أننا كنا ندرك أن ميزان القوة بيننا وبين العدو غير متكافئ البتة لا في العدد ولا في العتاد ، فإن ثقتنا بأنفسنا كانت كبيرة ،وإيماننا بنصر الله العزيز القدير كان أكبر، ففي حين كان عدد مجاهدينا لا يتجاوز ال: 123 مجاهدا بأسلحة بسيطة، وهي في مجملها عبارة عن بنادق صيد فقط، كـان الاستعمار قد حشد جيشا جرارا قوامه 15000 جنديا فرنسيا يساندهم عشرات من عملاء وخونة السبتي القادمين من خنشلة مدججين بمختلف أسلحة الفتك والتدمير. 
وفي حدود الساعة السابعة والربع برزت أمامنا طائرة هيليكوبتر المعروفة ب”بانانا “وعلى متنها 30 جنديا فرنسيا يقودهم النقيب سانكا le capitaine SANCA قائد المركز العسكـري الفرنسي بأولاد جلال، وكانت على وشك إنزالهم على القمة فباغتها أحد جنــودنا البواسل وأطلق عليها وابلا من النيران فهوت على السفح وتحطمت ومات من فيها بمن فيهم قائدهم ” النقيب سانكا، وبدا أن الجيش الفرنسي قد وقع في شر أعماله ،وكان تدميره في تدبيره ، وأن “طابخ السم آكله” لا محالة كما يقال، فقد أخذه جنود جيش التحرير الأشاوس على حين غرة وباغتوه بهجوم صاعق ساحق ماحق لم يترك للغلاة البغاة العتاة أي فرصة للتفكير أو التحقق مما جرى لهم ، فهم لم يتوقعوا هذا الهجوم المباغت عليهم ، ولم يتحسبوا له، فما كان عليهم إلا المسارعة لطلب المزيد من الإمدادات والتجهيزات العسكرية الإضافية من مركزي وادي الشعير وبن سرور القريبين ، وما هي إلا لحظات حتى صارت الأرض غير الأرض والسماء غير السماء، إذ امتلأ الأفق بجيش جرار كامل العدة والعدد ،و غطت سماء المعركة طائرات الاستكشاف التي لم تكتشف شيئا لأن المجاهدين احكموا خطتهم وأحسنوا الاختباء والتمويه منذ وقت مبكر، وبدأت إمدادات الأسلحة تصل إلى جيش العدو تباعا من مدافع ودبابات و طائرات مختلفة الأنـــواع B25 و B26 و B29 و REACTION بلغ تعدادها الإجمالي حوالي 36 طائرة ، وأخذ الجيش الاستعماري الغاضب ممـا جرى له يخبط على غير هدى و يدك المنطقة برا وجوا ،فكانت قنابل الغاز(أكثر من 800قنبلة غاز) تتساقط كالمطر على السفوح ثم تتدحرج إلى الأسفل دون أن تصيب أهدافها ،بل كانت تصيب جنود العدو في الكثير من الأحيان .
وقد استمرت المعركة من الساعة السابعة والربع صباحا إلى الساعة الثامنة إلا خمس دقائــق ،وأذكر أن أخر طلقة من جانبنا كانت رصاصة أطلقها المجاهد علي راتـني من” برج منايل”.
أما نتيجة المعركة فكانت نصرا مؤزرا لجيش التحرير بكل المقاييس العسكرية ، وهزيمة ثقيلة منكرة لجيش الاحتلال وعملائه من الخونة بدليل أن العدو بقي ثلاثة أيام وهو يجمع الجثث والأشلاء من جيشه وفلول الخونة والقومية ليتخلص منها بواسطة الحرق.
وكانت خسائر العدو في تلك المعركة بين 650 جنديا حسب تقدير استخبارات جيش التحرير و 400 جنديا بينهم النقيب سانكا قائد العملية ،وفقدان خمس طائرات حسب تقدير وكالات الأنباء” الأجنبية.
أما خسائر جيش التحرير فتمثلت في استشهاد ثلاثة شهداء عسكريين هم: القائد الرويني السعدي الذي أصيب بصاروخ قذفته طائرة B29.الشهيد عبد القادر حامل بريد العقيد الحاج لخضر قائد ولاية الأوراس. الشهيد عامر حملاوي. وجرح في المعركة نائب العقيد سي الحواس المشرف على المعركة السعيد بن الشايب، كما استشهد من المسبلين المدنيين اثنان هما : تلي سعيد ، وعبد الجبار عيسى من وادي الشعير.
وقد اشترك في هذه المعركة ممن كتب الله لهم الحياة عدد من المجاهدين نذكر منهم : بغدادي عبد الرحمن مسؤول الناحية الثانية – حشاني الشيخ، بن المداني عبد الجبار، لمجد المسعود، غرابة صالح، زرواق بوزيد- حوري البشير(من وادي سوف)- بن الشيخ الدراجي ، مزياني محمد(من قمرة)، راتني علي (من برج منايل)، محمد لصنامي (من الشلف)،أحمد لكحل (الحضنة )،زلباح (عموري)،القارح بوزيد(شرفي)، كحللش بلقاسم ،ربيعي المختار ، شني الطيب، السعيد بن رعروع ، الطاهر بن بورحلة وشقيقه عطية من (ا.س.زيان)، عيسى قيري (الحضنة) ،المختار جباري ،العربي جنايدية ، بوناب أحمد ، صياد عبيد، مجيدي أحمد ،وفرجالله المداني (من بن سرور).


ويواصل المجاهد علي مهيري الذي مازل حيا الى اليوم ويتمتع بصحة جيدة وذاكرة قوية جدا سرد روايته ..”فور انتهاء القتال، وحرصا مني على ضرورة إحاطة القيادة بما جرى كتبت تقريرا مفصلا عن مجريات المعركة ونتائجها وأعطيته للمكلف بالبريد ليوصله فورا لمقر القيادة العسكرية للولاية السادسة بجبل الزعفرانية المقابل من الناحية الشمالية لجبل الميمونة ، لأني كنت أعرف أنهم كانوا يتابعون مشاهد المعركة ولو من بعيد ومدى شوقهم لمعرفة ما أسفرت عنه ، لكن الرائد علي بن المسعود ورفاقه تفاجأوا و لم يصدقوا أبدا أننا ما زلنا على قيد الحياة لهول ما جرى في ذلك اليوم”.
ويستطرد سي علي مهيري قائلا..” إن ميزان القوة في تلك المعركة كان مختلا لصالح العدو بالتأكيد، وأسباب تحقيق النصر فيها لم تكن متوفرة على الاطلاق بل ان انتصارنا في تلك الملحمة كان يشبه المعجزة،فعدد أفراد جيش التحرير قليل، والأسلحة التي كانت بحوزتنا بسيطة وقليلة العدد ،وإنما ربحنا المعركة نتيجة عون الله سبحانه وتعالى وتوفيقه، و إيماننا القوي بحتمية النصر على العدو لأننا أصحاب قضية عادلة والله وعدنا بذلك : ”إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ ..” وقوله:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) ،فلولا عناية الله ونصره وتوفيقه وتثبيته لنا كيف ننتصر على جيش ضخم تسانده قوى الشر ويدعمه الحلف الأطلسي بالعدة والعتاد ونحن لا نملك إلا أسلحة بسيطة لا تكاد تذكر ،وبالرغم من ذلك تمثلت خسائرنا في خمسة شهداء عسكريين ومدنيين وجريح واحد أو اثنين فقط ،في حين تكبدت فرنسا خسائر جمة في الأرواح والمعدات بشهادة وتأكيد من الصحافة العالمية في ذلك الوقت.؟؟… ملاحظــة/ تستنــد هذه الدراسة لمراجع موثّقــة وشهادات موثوقة… 

عبد الحميد عباسي

عن moha

avatar