أخبار عاجلة
الرئيسية 8 حقيبة بوسعادة السعيدة 8 تاريخ وحضارة 8 تاريخنا …بوسعادة زمن الاحتلال (3) عام الشر واستنتاجات

تاريخنا …بوسعادة زمن الاحتلال (3) عام الشر واستنتاجات

استطاعت فرنسا بعد أكثر من شهر ونصف أن تخمد مقاومة سكان بوسعادة الكبرى بقيادة محمد بن علي بن شبيرة، ومشاركة معظم أعراش المنطقة، ويمكن للمهتمين مطالعة التفاصيل في المصادر الفرنسية .

بعد إخماد المقاومة ، تعرض المشاركون في الثورة إلى عقاب جماعي وفردي، فبعضهم صودرت أراضيه ، وبعضهم دفع غرامات مضاعفة ، وبعضهم نقلوا إلى السجون للمحاكمة، وسنعرض لذلك في موضوع مستقل .

أما الشيخ محمد بن علي بن شبيرة، فقد نفي إلى تونس، حيث توفي هناك سنة 1851م .
قامت فرنسا بهدم زاوية عين النخلة السنوسية التي كان الشيخ احمد أخ الشيخ محمد بن شبيرة مقدما فيها .

بقي الشيخ احمد في بوسعادة ، واستطاع أن يحج إلى بيت الله الحرام، ويلتقي هناك بشيخه ومعلمه الإمام محمد علي السنوسي ، مؤسس زاوية عين النخلة بالعليق، والشخصية المؤثرة جدا في كل من الشيخ محمد واحمد بن شبيرة .

وبعد اندلاع مقاومة الشريف محمد بن عبد الله ، انظم الشيخ احمد إليها ، وأصبح نائبا للشريف محمد بن عبد الله ، وقام بدور كبير جدا في إقناع القبائل و الثوار بالانضمام إلى الشريف محمد بن عبد الله و توحيد الصفوف، كما أصبح المبعوث الخاص المفاوض للزعماء من طرف الشريف محمد بن عبد الله . .

حسب المصادر الفرنسية فان الشيخ احمد بن شبيرة قد أطلق شائعة قرب عودة الشيخ محمد علي بن السنوسي، رغم علمه باستقراره بمكة المكرمة منذ ثلاثين عاما ، وهو الذي ترك في البلد سمعة كبيرة تتبعها هالة من التقدير والقداسة، مما ساهم في تزايد عدد الثوار والتحاقهم بالانتفاضة.

ومن بين من انظموا لهذه الانتفاضة العديد من أبناء بوسعادة، على رأسهم الشيخ عمار بن عْزيز، شقيق احمد بن عزيز شيخ فرقة اولاد عتيق، والذي أحزن خبر استشهاده سكان المدينة ودفع بعضهم للالتحاق بركب المنتفضين.

وللحيلولة دون انتشار هذه الانتفاضة في ربوع اولاد نايل ، تمركز السعيد بن داود بأمر من النقيب بان في عين الملح، للحيلولة دون التحاق المقاتلين بالشريف محمد بن عبد الله .ولاجبارهم على دفع الضريبة، بعد ان امتنعت بعض الاعراش عن ذلك، ومنهم عرش اولاد ام الاخوة .

يذكر أن إحدى فرق اولاد اعمارة، قاموا بقتل شيخهم المعين من طرف الاحتلال ، بعد أن حاول منعهم من الالتحاق بانتفاضة الشريف محمد بن عبد الله .
تواصلت الانتفاضة ، وقد قدر عدد المتضامنين والمتعاونين معها من سكان منطقة بوسعادة الكبرى باكثر من الثلث، وقد أوجعت هذه الانتفاضة فرنسا في الكثير من المحطات، لكنها وأمام عدم تكافؤ القوى ، أخمدت في النهاية. .

الشيخ أحمد نفي أو هرب إلى تونس، وهناك في تونس التقى الشيخ محمد الصادق المكاوي، الذي أوكل إليه سنة 1857م مهمة تسيير الزاوية السنوسية في دقاش بتونس(ولاية توزر) كمقدم لها .

بعد وفاة الشيخ أحمد بن شبيرة سنة 1865م ، تولى ابنه عمار تسيير هذه الزاوية .
يذكر المصدر الفرنسي أن بعض الزوايا كانت تظهر أنها درقاوية الطريقة، بينما هي في الأصل سنوسية ، مما يعطينا فكرة عن التقارب الكبير بين الطريقتين، و يفسر لنا تردد الثائر الشيخ موسى الدرقاوي على منطقة بوسعادة منذ 1835م والى حين استشهاده سنة 1849م

بعد مقاومات 1849 و1864 و1871م ، عمد الاحتلال الفرنسي إلى العقاب الجماعي والفردي لكل من تسول نفسه التمرد على سلطة الأمر الواقع .

واستهدف هذا العقاب بالدرجة الأولى قبائل اولاد نايل المتمردة، والتي رفضت الهيمنة الفرنسية و سلطة الامر الواقع .

تمثلت أشكال هذا العقاب في :

  • النفي و التغريب خارج الوطن و داخله
  • مصادرة الأملاك والأراضي الفلاحية ، الخصبة خاصة منها .
  • نهب المواشي و الممتلكات الخاصة
  • العمل على تغيير ديمغرافية العشائر والقبائل و المدن

وغير ذلك من الأساليب الاستعمارية التي أثرت على حياة أغلبية الأهالي الذين أصبحوا فريسة للفقر و الجوع و المرض ، فقد كان الأهالي في القبائل المحيطة بالمدينة يحصون موتاهم يوميا بسبب الجوع والمرض، كما أثر ذلك على الحياة في المدينة، فقد تراجع النشاط التجاري بها ، وتناقصت الحرف والمهن .

لقد أصبحت الأراضي و الموارد بيد المستوطنين أو بيد الموالين للاحتلال م، بينما ترك السكان يواجهون قدرهم ..

قدر الجفاف الجوع و الفقر و الذل والطعن المستمر في الكرامة ..وذاكرة الأجداد تروي لنا مآسي عام العرعار ، حيث هرب الناس الى الجبال ، يعيشون على غلي حبوب العرعار و تناولها كحساء .

المؤونة تعطى بالوصل (عام البو ) ، و بكميات غير كافية..

في سنة 1945م، تعرضت منطقة بوسعادة برمتها إلى مجاعة ، في حين اجتاح مدينة بوسعادة وباء التيفوس القاتل ، وباء لا يرحم أحدا ، كان الناس يموتون يوميا بالعشرات ..يسقطون جثثا هامدة في الطرقات والارياف، وكان الدفن يتم جماعيا ..

أمام انتشار الموت واستفحال الوباء ، تطوح الأخوان:

بلعمري مخلوف

بلعمري العمري

اللذان كانا يملكان معظم الأراضي بالمدينة ، تطوعا لشراء مئات إن لم نقل آلاف الجرعات من الترياق الشافي من هذا الوباء ، وتم توزيعها على كل أهالي المدينة، مما حدّ من عدد الموتى ، ومن انتشار عدوى الوباء .

ولولا تحمل هذين الاخوين المسؤولية ، لكان الوباء قد قضى على كل ساكنة المدينة أمام أنظار سلطات الاحتلال التي يبدو أنها حصنت نفسها ومن معها من الوباء، وبقيت تتفرج على الموت الذي يجتاح المدينة.

يقول التقرير : أن تلك المجاعة وذلك الوباء ، كان نتيجة طبيعية للتضييق والاضطهاد الذي مورس على سكان بوسعادة و الاعراش المجاورة لها بعد مقاومة 1871م . والذي كان ضمن تغيير استراتيجية شامل في التعامل مع قبائل أولاد نايل

 

كما تابعنا في الحلقات الماضية ، كانت بوسعادة تشهد حركية تجارية بين الشمال والجنوب، وبين الشرق والغرب، كانت ملتقى و مستودعا لكل السلع و البضائع .
كما كانت بها انشطة صناعية ناشئة ، و العائلات تعتمد على انتاجها الذاتي في الفلاحة و الالبسة و الادوات المنزلية.

وكان أقطاب هذه الحركة التجارية هم أبناء بوسعادة الكبرى ، اعراش اولاد نايل المحيطة بها ، الفلاحون و الموالون و اصحاب الحرف المختلفة، فقد كانت بوسعادة عاصمتهم ، و سوقهم ، ورافدهم الاجتماعي و المعرفي ، لم تكن وقتها الجلفة قطبا نايليا، و كان سكان بواديها ينزلون بوسعادة و يتعاملون مع تجارها ومواليها .

غير أن الاحتلال تفطن إلى أنه لا يمكنه السيطرة على المدينة و على المنطقة ، في وجود هذه القبائل النايلية المتحالفة مع سكان بوسعادة بروابط الدم و المصاهرات ، و بحمية الدين والعرض ، وما المقاومات و الهجمات التي لم تتوقف طيلة اربعين سنة إلا تأكيد على اللحمة و التآزر و رفض المحتل .

ـ عمد الاحتلال الى كسر شوكة كل المقاومين ، وحتى من ثبت تعاطفهم مع المقاومة، من خلال ما ذكرناه سابقا من مصادرات ونفي و سجن ..
ـ صودرت أراضي من ملاكها و منحت لغيرهم لخلق صراعات بين الاعراش .
ـ تجريد بوسعادة من دورها كقطب تجاري لمنع الاحتكاك الناجم عن المبادلات التجارية .
ـ تحويل المدينة من طبيعتها التجارية الصناعية الفتية، الى مدينة معمرين سياحية .
وامعانا في الاذلال ، و بعد تفقير المقاومين وتهجيرهم وتشتيت عائلاتهم و طعنهم في كرامتهم ، تواصلت حلقات الاذلال والاساءات ، والتي بدأت في الظهور تقريبا بعد سنة 1880م .
ـ استغلال حالات الفقر والعوز الناجمة عن الحصار و المصادرات والنهب القسري واليتم و الابعاد ، باستغلال المرأة والتركيز عليها ، حيث بدأت تظهر صور النايليات والبوسعاديات ، سواء الملتقطة بالكاميرات او المرسومة باليد .
ـ تصوير منطقة اولاد نايل كجنة للجمال و …من خلال الاعلانات التي كانت تنشر في الصحف الفرنسية لإغراء الجنود والمعمرين والسواح بالقدوم الى المنطقة .

تم تفكيك وحدة أولاد نايل ، القضاء على قوتهم العسكرية و الاقتصادية وتماسكهم الاجتماعي ، و تحويل المدينة الى فضاء غريب عليهم .

و يمكننا استخلاص العديد من التفاصيل الناجمة عن هذا التغيير المخطط له .
واترك للقاريء النبيه بقية الاستنتاجات .

اشكر الدكتور خميسي سعدي على اثرائه هذا المنشور بمعلومات اضافية.

ترجمة ونقل وتحرير :

عبد الكريم قذيفة البوسعادي

بتصرف .

 

 

عن كل الاراء تعبر عن أصحابها ولا تعبر عن موقعنا

%d مدونون معجبون بهذه: