الرئيسية 8 حقيبة بوسعادة السعيدة 8 شخصيات من بلادي 8 الحاج أحمد بازة… حياة عجيبة ومحطات فريدة

الحاج أحمد بازة… حياة عجيبة ومحطات فريدة

الحاج أحمد بازة، أصيل بوسعادة، والذي ترعرع واستقر وعاش في بوسعادة، ثم انتقل الى الجزائر العاصمة، دون أن يقطع حبال الوصل مع مدينة الأصل بوسعادة.
في حياة هذا الرجل ثلاث محطات لا تخلو من غرابة، ومن عجب، وفيها من الحكمة البالغة الكثير مما على الأجيال أن تعرفه وتنقله لأبنائها ، فبعض القصص عبر، ولها في النفوس بالغ الأثر .
وسأسرد عليكم هذه المحطات الثلاث في حلقات ثلاث، داعيا بالرحمة للحاج أحمد ، وأحسبني مأجورا على التعريف بهذا الرجل الصادق مع ربه ، ومع نفسه ، ومع العباد .
مع اليهودي الياهو بن تيفار :
===============

في أربعينات أو خمسينات القرن الماضي، تعرض الحاج احمد لظرف مادي عسير، كأغلب الجزائريين الذين كانوا يعانون الفاقة والعوز ، و تتقلب حياتهم وفق الظروف المفروضة عليهم من الاحتلال .
وكان من معارف الحاج احمد بمدينة بوسعادة، تاجر تبغ يهودي اسمه (الياهو بن تيفار) ، فلجأ اليه الحاج احمد ، و استلف من عنده قنطارين من الشعير . سلفة احسان في ظرف صعب .

ومرت السنوات ، وبدأت حال الحاج احمد تتحسن شيئا فشيئا ، خاصة وقد بدأ تجارة صغيرة يعيل منها عائلته .
وبعد الاستقلال ، حدثت هجرة جماعية لليهود عن بلادنا ، بعضهم ولاء لفرنسا، وبعضهم خوفا من ردة فعل من الجزائريين المتحمسين لاستقلالهم .. ومن بين من غادروا (الياهو بن تيفار) .
صفّى الحاج احمد كل ديونه التي عليه للناس، ولم يبق في ذمته سوى دين اليهودي (الياهو بن تيفار) المتمثل في قنطاري شعير ، دين لن يرتاح له بال و لن يهنأ بنوم عميق إلا بعد أن يوفيه .
فكان يوصي كل مهاجر لفرنسا أن يسأل له عن ( الياهو بن تيفار) فقد يصادف من يعرفه .

وقد طال انتظاره لمن يبشره، و خشي الرحيل عن الدنيا دون أن يوفي ما عليه ..
وبعد انتظار لسنوات ، بشره أحد سكان بوسعادة (بن الشرقي) بأنه قد وجد من يدله على عائلة بن تيفار التي كانت تقيم في ضواحي باريس .
فرح الحاج احمد فرحا عظيما، وطلب من بن الشرقي أن يذهب اليه ، ويرتب له اتصالا بهم ، و كذلك كان .

ذهب بن الشرقي اليهم ، ووجد الوالد ( بن تيفار ) قد توفي، وبقي أولاده ، فاتصل من عندهم بالحاج احمد الذي تحدث اليهم عبر الهاتف ..
تفاجأ الأبناء بسبب الاتصال، وأخبروا الحاج احمد أن حالتهم المادية ميسورة جدا، وأنهم متنازلون عن قنطاري الشعير ، لكن الحاج احمد قال لهم أنه دين في ذمته لأبيهم وليس حقهم هم، و عليه أن أعيده . تعجب الأبناء من إصراره ووفائه ، وبعد أخذ و رد وافقوا على تلقي قيمة القنطارين بالفرنك الفرنسي ، و قد حول لهم الحاج احمد المبلغ ، ولم يهنأ إلا بعد أن استلموه ..

أما أبناء ( الياهو بن تيفار) ، فقد بقوا على اتصال بالحاج احمد، مكبرين فيه أخلاقه العالية، عارضين عليه زيارتهم ، واستعدادهم لتلبية أي طلب منه ..
.
.

 

مع الرئيس هواري بومدين :
==============


.
لعلنا جميعا قرأنا أو على الأقل سمعنا عن حياة ومسار الرئيس والزعيم الراحل هواري بومدين، وبعضنا ربما عرف من خلال اهتمامه بحياة الرجل أنه قد تعرض مرة أو ربما (مرات) إلى محاولة اغتيال في العاصمة، وهو ما كان يحدث في ذلك الوقت في معظم دول العالم الثالث ..

ولعل بعضكم يتساءل : ما علاقة الرجل البسيط الحاج أحمد بمحاولة اغتيال الرئيس الراحل هواري بومدين .

في لحظات تنفيذ محاولة الاغتيال، كانت زوجة الحاج احمد (حدة )حاضرة في المكان، وشاءت الأقدار أن تصيبها رصاصة في رجلها بعد أن أخطأت هدفها .
وقد نجت و نجا الرئيس هواري بومدين من موت كان يبدو محققا .
تكفلت الدولة بعلاج زوجة الحاج أحمد بازة .

وطبعا تمت دعوة الزوج الحاج احمد لمقابلة الرئيس الراحل هواري بومدين ، هذا الأخير عرض على الحاج احمد تلبية أي طلب يريده، وأية مساعدة يحتاجها ..وأن الجزائر تريد تعويضه عما أصاب زوجته ..

لكن الحاج احمد لم يكن انتهازيا، ولا ماديا حتى … لم يطلب أموالا أو عقارات أو وظائف ، فقد كان مكتفيا بوظيفته كحارس في المستشفى ، والتي كان يخصص الجزء الأكبر منها للتصدق على المرضى و المحتاجين، بينما يعيل عائلته من دكان صغير لبيع المواد الغذائية .

وبلغة الواثق من نفسه ، قال الحاج احمد للرئيس هواري بومدين
ـ ما اطلبه منك سيدي الرئيس هو الالتزام بشرع الله ، فاني أرى أنك ابتعدت عنه كثيرا
ويقال أن الرئيس هواري بومدين اهتزّ و تفاجأ بهذا الطلب الذي لم يكن أبدا يتوقعه أو ينتظره، هو الذي اعتاد أن لا يقصده المقرّبون منه إلا فيما يفيد دنياهم وأهاليهم.

لم ينزعج الرئيس من الطلب غير المتوقع، لكنه ألح على الحاج احمد في طلب تعويض عما أصابه وأصاب زوجته ، إلا أنه أصرّ على عدم طلب شيء ، في موقف يمثل شهامة و قناعة عجيبة .
.
.
رحمهم الله ، و غفر لهم ولنا جميعا ..آآآآمين .

اشتاقت نفس الحاج احمد لحج بيت الله الحرام..
سعى في كل اتجاه للحصول على جواز سفر خاص بالحج، دون أن يحظى بذلك، فتلك الجوازات ليست لأمثاله من البسطاء الانقياء الأتقياء ..

وعندما يئس من الوعود و المحاولات ، لم يستسلم ، فقد كانت ثقته بربه، وشوقه لآداء الركن الخامس أقوى من أن يتركاه فريسة لليأس و القنوط .
وفي لحظة صفاء ، اهتدى إلى محاولة أخيرة ، أن يكتب رسالة إلى الملك فهد، ملك المملكة السعودية آنذاك .

كتب الرسالة ، و أرسلها ، ولأن إرادة الله أقوى ، فقد وصلت الرسالة إلى الديوان الملكي ، في لحظة كان فيها الملك هناك في الديوان ، اطلع على الرسالة ، ثم أصدر أوامره بأن يتم التكفل التام بصاحب الرسالة .

لم تمض أيام، حتى كان وفد السفارة السعودية في الجزائر ، يزور الحاج احمد في بيته، و يسلمه جواز السفر وتذكرة الطائرة ذهابا و إيابا .

وصل الحاج احمد إلى السعودية، آدى مناسك الحج كاملة، وقد حظي بإقامة فاخرة و عناية خاصة، ولم يعزه شيء، كيف لا وهو ضيف الملك فهد .

استقبله الملك فهد مرتين ..
الأولى أثناء وصوله الى السعودية، وقد تجاوز اللقاء الساعة والنصف ، وهو ما لم يحض به غيره من الزوار ، كان كله حديث عن الجزائر وعن القيم العربية والإسلامية ..

والثانية , في جلسة تقييم الحج بعد نهايته، حيث كان الحاج أحمد يجلس بجوار الملك فهد في الصف الأول، في حين بقية الوزراء و السفراء يجلسون في الصفوف الخلفية ..

فآية كرامة وأي قبول عند هذا الرجل ، ليكرمه الله في الدنيا قبل الآخرة .. هو البسيط الذي جعل من أجرة وظيفته صدقة لله ، بينما ربى اولاده و أعالهم من دكانه الصغير، هو الذي لا يتردد في عمل الخير ومساعدة كل محتاج و نصح كل مهزوم امام هموم الدنيا ..

هو الذي حرص على أن يرد دين اليهودي على بساطته ( قنطاري شعير) ، ولم يهنأ له بال حتى عثر على أولاده و ارسل لهم ثمن القنطارين ..

هو الذي يتنازل له الغير عن ديونهم المستحقة، لكنه يرفض ذلك و يصرُ على آدائها ..
هو الذي قابل الرئيس الراحل هواري بومدين، وكان يمكنه أن يطلب منه ما يشاء ، لكنه لم يطلب شيئا لنفسه ، بل طلب شيئا لله .. نعم لله .. أن يعمل الرئيس بشرع الله ..
رجل امتلأ قلبه ايمانا و خوفا من الله ، فاصطفاه الله وفتح له أبواب الخير كلها ..

هو الذي حظي باستقبال من زعيمين دون سعي منه ، زعيمان يدفع غيره نصف ثروته من اجل ان يحظى باستقبالهما له .. ولم يطلب منهما اكثر مما يرضيه في علاقته بربه …

تغمده الله بواسع رحمته و مغفرته ..وجعل في ذريته من يحملون خصاله و صفاته .
.

الحاج أحمد بازة… المتيقنُ المُتوكِل..

( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً ). صدق رسول الله صلى الله عليهم و سلم .)
.
لعل هذا الحديث النبوي الشريف، هو ما يلخص حياة الحاج أحمد بازة ، فبعد أن أنهيت كتابة و نشر الحلقات الثلاث حول بعض من سيرة حياته، أدركت كم كان هذا الرجل مخلصا في النية مع ربه، متيقنا بعدله و رحمته ورزقه، راض بما قسم الله له، وكما يقال عندنا بالعامية ( لايحها في مراح ربي ) .
.
الرجل الذي كان يكبّر من فوق سطح منزله كلما دوّى رصاص المجاهدين ، الرجل الذي ألقت عليه فرنسا القبض أكثر من مرة ، و ظل مطاردا منها ومن اتباع محمد بلونيس الذين اضطروه للتنازل عن محله و النجاة بنفسه، ولاحقوه حتى ألقوا عليه القبض و عذبوه أشد العذاب، مما اضطره للهروب الى فرنسا ومواصلة نضاله هناك .
.
بعد الاستقلال، جمعته علاقة محبة قوية مع تيجيني هدام ، اول وزير للشؤون الدينية (1964) في الجزائر المستقلة، ولم يستغل علاقته في تحقيق أي مطلب شخصي ..وبقيت علاقة اخوة ومحبة رغم كل المناصب التي تولاها هدّام بعد ذلك ..
.
اثناء إصابة زوجته ، تعرفت العائلة على أحد حرّاس الرئيس الراحل هواري بومدين الذي أصيب أيضا في الحادث ، و كان ذلك سببا في أن يصبح هذا الحارس نسيبا و صهرا لعائلة بن حوحو من بوسعادة .
.
لدى الحاج احمد ، اخت تعيش هنا في بوسعادة ، وهي والدة الاخوة بن قطاف ، وقد أخبرتني احدى قريبات الحاج احمد أن احدى بنات اخته ، لعلها الوحيدة التي ورثت عنه بعض خصاله و صفاته …
.
عاش قنوعا ، لا تغرّه المناصب ، ناذرا نفسه لفعل الخير، غير خائف على رزقه من الزوال، لثقته في ربه ..ويقينه وتوكله التام ..

(إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ) صدق الله العظيم .
.
شكرا لأخي احمد الذي رافقني عند اخي عمر بازة ، شكرا لأقرباء المرحوم في العاصمة ، و شكرا للأستاذ محمد بن حوحو ، ولكل من تفاعل مع المنشور و شاركني سعادتي و أنا أكتب عن هذا الرجل الاستثنائي في زمن تشابه فيه الناس في الانانية و النرجسية و الذاتية و الغرور …زمن ماتت فيه القلوب .. وملئت فيه جيوب .. وكثرت فيه العيوب و الذنوب ….
.
والله المستعان …

 

الشكر الجزيل لابن أخ الحاج احمد سي عمر الذي أفادني بالمعلومات .

عبد الكريم البوسعادي

%d مدونون معجبون بهذه: