الأستاذ عبد اللطيف عبد الحميد بن الحاج المسعود حيدش من مواليد سنة 1949م ببوسعادة، تلقى تعليما مزدوجا، عصريا وتقليديا ، فالأول بمدرسة شالون النظامية أثناء الثورة التحريرية، والثاني تقليديا في مسجد بلحطاب على يد من توفر من شيوخ المرحلة كالمرحوم محمد بن عمران، والمرحوم سي عبد الله البوزيدي، والحاج عبد القادر دلاوي، والحاج محمد شكيمي الشيبوطي أطال الله بقاءه.
انتقل إلى المرحلة الثانوية بالجزائر العاصمة بُعَيْدَ الاستقلال في ثانوية عمارة رشيد، ليشارك رعيلا من الأساتذة المخضرمين الكبار كأمثال مولاي بلحميسي، والأستاذ عبد الحميد مهري، والفقيه عيسى مشري، والأستاذ اللغوي المترجم م
حمد عمران، والدكتور أبي القاسم سعد الله، وغيرهم.
كما جمعته زمالة الدراسة مع نخبة من ألمع من أنجبت الجزائر وتولوا فيها مناصب عليا خدمة وصدقا في تناول وظائفها، وحسن تسيير لشؤونها فيما بعد، منهم عائلة سعد الله والتي برز منها الدكتور خالد سعد الله، أستاذ الرياضيات، وعائلة النذير التي منها البروفيسور الدكتور أحمد النذير وأشقاؤه، والدكتور الطبيب عبد الرزاق حمودة نجل قائد الولاية السادسة التاريخية سي الحواس، المتواجد بفرنسا الآن.
ثم واصل تعليمه الجامعي بجامعة عنابة بتخصص يعتبر من أدق التخصصات العلمية في فرع البتروليات بدرجة مهندس دولة، فمنحته ريادته هذه ليتولى إدارة فرع لأهم الشركات الجزائرية وهي شركة سونطراك العملاقة، فكان مديرا لفرعها الجهوي بحاسي مسعود.
تعرض لحادث أليم تسبب له في كسر في رجله عانى منه كثيرا، ومنه اعتزل به الحياة الوظيفية، ليتفرغ للفلاحة وإدارة شؤون أسرته الكريمة إلى أن توفاه الله.
منذ شبابه انخرط في صفوف الكشافة الإسلامية ليترقى في سلمها الإداري حتى وصل إلى رتبة عميد، وقد فتح لنفسه بهذا المسلك أبوابا لعلاقات واسعة، والالتقاء بشخصيات من العيار الثقيل في إدارة البلد سياسيا وثقافيا وماليا.
يحسن الأستاذ عبد الحميد رحمه الله عدة لغات أجنبية إلى جانب لغته العربية، منها الفرنسية، واللاتينية، والإنكليزية، والألمانية، ويتحدث بجميعها بطلاقة، كما له إلمامة عامة باللغتين الروسية والعبرية.
علاقاته ومعارفه:
امتدت علاقات المرحوم لتغطي مساحة ضافية من شخصيات لها وزنها، فقد أحسن الاستفادة من أساتذته ومعلميه في فترة الخمسينات والستينات والسبعينات في جميع مراحله التعليمية من الابتدائي إلى الجامعة، كما استفاد من شخصيات أخرى لها حضور ثقافي في المشهد حينها، أذكر من بينهم:
الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله، شيخ المفسرين المعاصرين، ولما كنا نذكر أمامه مصطلح الصحوة الإسلامية (ونقصد بها ما رأيناه ولمسنا آثاره في فترة الثمانينات) كان يقول لنا: لقد عاصرت الصحوة الأولى، ويقصد بها صحوة الجزائر بعد استقلالها على يد جملة من أهل العلم والفضل كالشيخ الشعراوي ومالك بن نبي، والشيخ عمر العرباوي، والشيخ محمد كتو، والشيخ مختار إسكندر، والشيخان أحمد حفيظ، والزبير حفيظ إمام مسجد بلكور بالعاصمة، وغير هؤلاء كثير.
كما له علاقات طيبة بالأساتذة المؤرخين الكبار كالأستاذ محفوظ قداش، وأبي القاسم سعد الله، ومولاي بلحميسي، وموسى لقبال، ويحي بوعزيز، وهم أساتذة الطبقة العالية في الساحات العلمية والثقافية للبلد.
من صداقاته الطيبة صادقة الوزير والسفير الأستاذ كمال بوشامة، والوزير الدكتور علي بن محمد، والوزير أحمد جبار عملاق الرياضيات وغيرهم.
له علاقة جيدة بالرئيس الأسبق المرحوم علي كافي رحمه الله.
جمعته الأقدار وربطته بالرئيس السوري الأسبق نور الدين الأتاسي في لقاءات عدة، زادت من رصيده المعرفي وتجربته في الحياة، فنقل عنه من الحكم ما يرشد متبعها إلى طرق قويمة في حياته.
والرجل من عائلة عريقة وأصيلة من عوائل المجتمع البوسعادي، ولها من المكانة والجاه المادي والأدبي، انسحب كل ذلك ليكون شخصية ثرية في مقوماتها، اجتمع لها ما لم يجتمع للكثيرين، وفوالده المرحوم المسعود بن أحمد يكفيه أنه واحد ممن تشكل بهم الفوج الجزائري الذي بايع ملك المغرب محمد ابن عرفة، الذي نصبته فرنسا عنوة مكان ابن عمه محمد الخامس، تحت إشراف علامة المغرب الشيخ عبد الحي الكتاني رحمه الله، وهذه الجزئية تحتاج لأن يتبارى الكتاب والمؤرخون ليوسعوا مداركنا حولها.
وقد أسالت قضية المبايعة هذه حبرا كثيرا، بين مؤيد ومعارض حينها، ولكن يجب على قارئ التاريخ أن يضع القضية برمتها في سياقها التاريخي الذي وقعت فيه.
ومما نذكره عنه أنه نقل عن والده قولة شهيرة، وقد لمس مقدار احتقار المغاربة وامتهانهم للوفد الجزائري بحضرة وفُودِ دُوَلٍ عدة بقولهم: (من أنتم؟!)، وهذا من أجل إحراجهم، وإرباكهم، لأنهم رأوا أن الوفد الجزائري لا يرقى في مكانته أن يقابل الملك المغربي بشخصه.
تأكد للجزائريين مقدار ما يكنه المخزن من حقد عليهم، فتواطؤوا على هذه القولة التي تركبت من تشبيه ضمني على قول من قال (ومن يهن يسهل الهوان عليه، فما لجرح بميت إيلام)، وردت هذه المقولة بالصيغة التالية: (الشعر ينبت في الرأس وفي الكف لا، اجعل المعروف في الكلب وفي المغربي لا)، كان يرددها المرحوم كثيرا في لقاءاته ومحاوراته، مثبتا أنه لا خير في القبائل العميلة للاستعمار، والتي لم تستح من نكران على من وقفوا معها في وقت هي في أمس الحاجة إليهم.
وأيضا نجد من أخوته وأبناء عمومته المقربين الطبيب، والمهندس، القاضي، والمحامي، والمجاهد، والتاجر المتمكن، ورجل الأعمال الكبير.
فواحد من أبناء عمومته هو الشهيد مختار عبد اللطيف الطالب المثقف الذي استجاب لنداء الجبهة في دعوتها للإضراب، وعمل بجهد في نشر الفكر الثوري بالمدينة مما هيأه لأن ينال الشهادة في سبيل الدين والوطن.
بل ووالده الحاج المسعود، وعمه الحاج بلقاسم، هما من أهم عناصر المكتب التجاري التابع لجبهة وجيش التحرير بالمدينة، ولهما اليد البيضاء والطولى على القضية الوطنية.
ومن أسرته القاضي المسعود حيدش في نهاية القرن التاسع عشر، وهو واحد من أوائل القضاة وخريجي المدرسة العربية الفرنسية بالقطر الجزائري، والقاضي أبو بكر بن حيدش، وغيرهما.
كان يجمع في سلوكه بين الطريقتين الرحمانية التي عليها والده وأعمامه، متبعين لأصولها على يد شيوخ طولقة والهامل، والشاذلية التي عليها عمته زوجة الشيخ أبي بكر بن حامد مقدم الطريقة الشاذلية ببوسعادة.
مكنته كل هذه المعطيات لأن يتوفر على رصيد معرفي وأخلاقي عال، جعلت من فيوضه على محبيه ومعارفه لأن ترقى هي كذلك.
فنجده رحمه الله له حضور معرفي بتدخلاته وتوجيهاته للكثير من الطلبة والباحثين، وتنويرا لرأي من جالسه وخالطه.
وأذكر هنا استفادتي الجمى منه حين إعدادي لكتبي منها كتاب نسب سيدي ثامر، وكتابي حول المجاهد الحاج علي مهيري أطال الله بقاءه، فقد كانت تدخلاته وتوضيحاته مثراة للمادة العلمية الواردة فيهما.
بل وتجاوز فضله المعرفي معي لبحوث ودراسات أرجو من الله صدورها، أذكر من بينها كتابا دبجته عن الشيخ المرحوم عبد الحليم بن سماية رحمه الله.
ومن أهم ما يحسن ذكره في مقامه المعرفي، هو محاولته نفض الغبار على تاريخ المنطقة، وأعلامها، ومجاهديها، وعلمائها، وسياسييها.
فله اليد الطولى في نفض الغبار عن الشهيد بعداش بن حمدي الذي قام بإعدام أحد أعتى غلاة الاستعمار المدعو أميدي فروجي (Amédée FROGER) سنة 1957م، وهو رئيس بلدية بوفريك، وبسببه قامت معركة الجزائر الكبرى.
يعتبر الشهيد بعداش بن حمدي أول شهيد أعدم بالمقصلة، فمما تم من فضل الرجل على هذا الشهيد أن عقد حوله مؤتمر تاريخي تبارى بقية المجاهدين، وبعض من المؤرخين والصحفيين حوله، وشكلت جمعية باسمه تسعى الآن لتسمية بعض المعالم به تخليدا لذكراه، وحماية لمآثره من النسيان.
وله كذلك يد في التعريف بواحد من أهم الشخصيات العالمية وإعادة ربطه بأهله وذويه، هذه الشخصية هي شخصية محمود الأطرش بن رابح الديسي الإبراهيمي رئيس ومؤسس الحزب الشيوعي الفلسطيني، وواحد من أهم رجال القضية الفلسطينية، تربى عليه أغلب كوادر الأحزاب الشيوعية، وكذا حركة فتح.
ينسب الكتاب وخاصة المشارقة منهم محمود الأطرش فيقولون: محمود الأطرش المغربي دون تعيين للمراد بالمغرب في عرف المشارقة، وهو ما يوقع في اللبس والإبهام، فهل هو المغرب الجهة أم البلد؟، فكانت جهود الأستاذ المرحوم عبد الحميد ضافية حتى تعرف الكتاب على نسبته الحقيقية وهي قرية الديس بضواحي بوسعادة.
أخلاقه وأوصافه:
تربع المرحوم على بساط من الأخلاق العالية، منها التواضع الجم، فقد كان يُنْزِلُ قدر نفسه إلى أصاغر الناس (في نظر الناس) فتجد من معارفه بسطاء القوم، لا يأنف أن يخالطهم، وأن يفيد ويستفيد منهم، يجلس ويمد رجليه أين ما حل به المجلس، ولا يتخير مكان جلوسه، تواضعا وزهدا في بهرج الناس كلهم.
بل ورأيناه مرارا يأنف أن يخالط أهل المال والغنى إلا بقدر ما يقضي به مصالح الفقراء وذوي الحاجة.
متواضعا، مسامحا، عفا، جوادا، كريما، مرشدا، ناصحا، مخلصا في نصحه، وصادقا في قوله وفعله، مراعيا لحرمة القربى والرحم، زوارا لهم في حياتهم وبعد مماتهم.
محبته للخير:
رأيناه يقضي حاجات الناس ويسعى في مصالحهم، بل وتراه يسعد لمَّا يقضي لأحدهم مصلحة، أو يُسَوِّيَ له أمرا، أو يصنع له معروفا، فقد رأيناه كافلا للأيتام، ومنفقا على ذوي الحاجات، مساعدا للأرامل والضعفة منهم.
ومن محبته للناس ومسارعته للتخفيف عنهم، فيندر أن تمر جنازة في مدينة بوسعادة أو ضواحيها إلا وتجده من السباقين لشهودها، معزيا لأهل الفقيد، ومواسيا لهم في مصابهم، عرف أهل المصاب أم لم يعرفهم.
محبته لأهل العلم والفضل:
أما محبته لأهل العلم والفضل فتلك مزية يندر أن تجد مثلها عند من جمعتنا المقادير بهم، فتراه يلهج بذكر مشايخه وأساتذته الذين تنوعت مدارسهم ومشاربهم، بل وتجده يجل شباب الجيل الصاعد من طلبة العلم من الأساتذة والأئمة ويسعى للتقرب منهم، وأذكر خصلته معي وأنا الذي أصغره بما يقرب من ثلاثة عقود، فقد كان يزورني في بيتي، متعرفا على أبنائي، منبسطا معهم بحضوري أو غيابي، حتى تواطؤوا على تلقيبه بعمي عبد الحميد، ويفرحون بمجيئه، ويسعدون بلقائه، بل وكان يسعى في مصالحي كثيرا، فقد غمرني -والله على ما أقول شهيد- بفضله، وإحسانه، وتحننه إلي، وكان يأخذني إلى معارفه ويقدمني إليهم ويقول: هذا صديقي إمام وباحث وعالم، مما أوقعني مرات في الحرج أمام قامات علمية وأدبية ربطني بها.
ومما أستطيع أن أذكره هنا هو زياراته إلى أهل العلم الفضل، فقد صاحبته في زيارة إلى زاوية الهامل مرارا، وزاوية العقلة بضواحي البيرين، وزيارته لصديقه العلامة سي عبد القادر بن عروس بقرية الديس، والشيخ محمد شكيمي في بيته ببوسعادة، الشيخ الأستاذ محمد يحي حرزلي، وغير هؤلاء كثير.
ولا أنسى مصاحبتي له في زيارات متعددة لفضلاء من مجاهدي وسياسي المنطقة: منهم جاره أحمد بوديا، والمجاهد بن عبد الرحمن المدني نجل القاضي عيسى، والمجاهد علي مهيري، والمجاهد أحمد بوهالي….
مبرته بوالديه:
يعلم كل من تقرب منه مقدار إجلاله لوالديه، وبروره بهما، في حياتهما، وبعد مماتهما، فلا زال يلهج بذكرهما مترحما، ومثنيا، ومجلا لما كانا عليه.
فتراه يجل ويصل معارف والديه ممن جمعتهم مصلحة أو نسب أو رحم، مما يعجب له المرء من الحال الفاضلة التي هو عليها رحمه الله.
أذكر هنا قصة تدل على بعض من ذلك: قص رجل عليه رؤيا رآها وفيها ذكر له ولوالده (الحاج المسعود)، وجده (الحاج أحمد) مع فصول من هذه الرؤيا، فما كان من أستاذنا المرحوم عبد الحميد إلا أن ناول هذا الشخص كل ما يملك من مال حينها، وقال له: (الحمد لله، الوالدين راهم ما زالوا متحيرين علينا، ما زالوا ما نْساوْناشْ).
رحلاته:
ارتحل الحاج عبد الحميد كثيرا، وخالط وربط شبكة من العلاقات الواسعة، بدءا برحلته العلمية والدراسية إلى العاصمة، وعنابة، ثم عمله بحاسي مسعود.
كما أنه حج بيت الله الحرام مؤديا ركن دينه الخامس مرتين اثنتين، والثانية له فيها من الغرائب والعجائب ما يدل على صدقه وإخلاصه رحمه في مسعاه.
زار دول فرنسا، وبلجيكا، وألمانيا، وتونس، والمغرب، وغيرها…
أما في داخل القطر فنادرا ما عزبت عنه مدينة كبيرة، ولم يكن له بها صلة وقربى، فقد زار أغلب مدن القطر، من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه.
أسرته:
شاءت له الأقدار أن يرتبط بكريمة من كرائم النساء، سليلة أسرة فاضلة، يكفي أنها أنجبت واحدا من مؤسسي الكشافة الإسلامية ببوسعادة، ونال جزاء ذلك الشهادة في سبيل الله، وهو الشهيد عبد القادر بن حميدة رحمه الله تعالى.
فزوجته الحاجة عائشة بن عزيز، أستاذة اللغة الفرنسية، الصابرة الكريمة التي خطت خطواتها معه طيلة مدة تجاوزت الأربعين عاما كاملة أثمرت علاقتهما ثلاثة من الأبناء الذكور هم على التوالي: (سفيان، وسيف الدين، وهشام)، وبنتا واحدة (إيمان)، يعجب الملاحظ مقدار العلاقة الطيبة بين أب وابنته، فقد رعاها قبل زواجها تربية وتعليما، وبعد زواجها بالقيام على شأنها، ورعاية أمرها، فأنجبت له من الحفدة ما تقر بهم عينه، وتأنس بهم نفسه، أسأل الله لجميعهم صبرا وسِلْوانًا وعِوَضًا، وإن كان الحق أنه لا عوض في الوالد الكريم رحمه الله تعالى.
وأنا أخط حروف هذه الشهادة التي رقَنْتُهَا بشغائف قلبي، ومدامعي التي لم تترك لي فرصة أكثر لأطيل تفاصيلها، وأوسع خبرها، فقد كانت مفارقته مما أربكني، ولم أتوقع حدوثه، فقد انهدم جدار كنت أتترس به في الملمات، وأتقي به عويص المشكلات، فلا أملك أمام قضاء الله وقدره إلا أن أسأل الله رب الناس أن يتغمده برحمته، وأن يجل عطيته، وأن يكرم نزله، فهو خير منزول به، وأن يوسع قبره، وأن يلفه بفضله سبحانه سبحانه.