الرئيسية 8 حقيبة بوسعادة السعيدة 8 بوسعادة السعيدة 8 المخفيات…قديما (شارع اليهودْ) بوسعادة
المخفيات…قديما (شارع اليهودْ) بوسعادة

المخفيات…قديما (شارع اليهودْ) بوسعادة

لا أزال أتذكر العام الذي قدم فيه الرئيس الرَّاحل هواري بومدين وأعطى المفاتيح لأولئـك الذين استفادوا من سكنات حديثة الطراز على مستوى هذا الحي الذي تغيَّرتْ ملامحه بين عشية وضُحاها.
“حي المخفيات” قديما وليس حديثا،وبهذا الحي أيضا وفي فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر كانتْ تقيم بهذا الحي العتيق عائلات يهودية،لهذه الجالية اليهودية معبد يؤدون فيه شعائر ومناسك عبادتهم الشاذة آنذاك (المعبد الآن آل إلى مركز للصم البكم)،من هذه العائلات اليهودية البارزة على مستوى هذا الحي مثلا نجد عائلة (بَنْ أطْبُولْ) وعائلة (بُشونْ وبُشُونَة)،و بشون وبشونة هذان زوجان متحابان ومتعاطفان مع بعضهما إلى حدود المُبالغة في ذلك الحب الأسري المتين،كان هذان المُشار إليهما وأعني بشون وبشونة قصيريْ القامة ولذلك سُميَ الأول (بشون) والثانية (بشونة)،وتعني هذه التسمية القطعة الصغيرة التي تُغلَقُ بها أفواه القارورات الزجاجية أي تلك المصنوعة من مادة الفلِّين،وتوجد عائلات أخرى يهودية الأصل والعقيدة على مستوى هذا الحي وغيره من بعض الأحياء الأخرى لكنْ بصورة مُحتشمة،لهؤلاء اليهود محلات ومتاجر وحرف قد تميزوا بها على مستوى واحتنا الجميلة…
إذا قصد متاجر هؤلاء اليهود أحد العرب استفردوا به،وثمَّة يتحوَّل الحديث من اللغة العربية أو اللهجة الدَّارجة البوسعادية إلى اللهجة واللغة (العَبرية) وبلسان يهودي فصيح يُنكِّلون به أيما تنكيل،،،هذا إذا قصدهم بنية الاتجار واقتناء ما تعرضه محلاتهم…
إذا قَدِمَ وفدٌ من بعض الأعراب إلى دكاكين أولئـك اليهود بحي المخفيات يسأله البائع اليهودي قائلا =
ـ قَدَّاهْ نَحْمَارْ جَيْتُواْ ؟!؟ (يُسرعْ اليهودي في لفظ هذه العبارات الخبيثة).
يعني (كم حمار منكم أتى إلى دُكاني ؟!؟) .
يُجيبه قائد الوفد بعدد القادمين إليه في تلك الآونة من الوقت،وهذا المُجيب يظن بأنَّ اليهودي السائل يقصد بسؤاله تلك”الحمير التي أتوا عليها”غير أنَّ ذلك اليهودي كان أخبث وألعن في سؤاله الموجه إليهم حينها.
أما إذا ألقيتَ التحية على يهودي وقلتَ له (صباح الخيرْ) فإنـَّه سيُحرِّكُ أصابعه من بعيد رادًّا عليكَ بقوله =
ـ أصْبَاعي خيرْ…(بمعنى،،،أصابعي خيرْ).
ويكون عند إلقاء التحية من طرفهم أيضا كأنْ يلتقي يهودي بعربي،فيبتدر اليهودي العربي بالتحية قائلا = (أصْبَاعي خيرْ).
يتم إلقاء التحية أو ردها من طرف أولئك اليهود الملاعين بشكل مُبهم وسريع وذاك حتى لا يتفطَّن العربي من تلك المُلابسة الشيطانية بشكل أو بآخر. 
وبالرغم من هذا وذاك فإنهم يقعون العديد من المرات في شر أعمالهم ونياتهم،مثل ما وقع لأحد تجارهم في مرة من المرات حيث قصده أحد الشُّطار وهذا الأخير من العرب (الفايقين)،جلب هذا الشَّاطر العربي جرة مُعبأة بالسمن وعرضها على ذلك اليهودي الذي اشتراها منه بثمن بخس “دراهم معدودة”،ولمَّا ولَّى ذلك الشاطر العربي أفرغ اليهودي ذلك السمن في جرة أخرى،حيث لَمَّا وصل إلى مستوى النصف من الجرة وجده مليئا بروث البغال والحمير،ثمة تسمَّر في مكانه ونظر إلى عربي كان متواجدا بدكانه فخاطبه قائلا =
ـ هذا ما هـو مَنـَّا ما هو منكمْ !!!
حقيقة أنهم كانوا من أرباب التجارة والحرفة عندنا غير أنَّ اليهودي يظل من اليهود ولو تخفَّى وراء العديد من التسميات والألقاب…
إذا عرض أحد العرب سلعته عندنا بالمدينة وقد اشتراها بعشرة دنانير مثلا،فإنه لا يكتفي بالدينار وبالدينارين أو بالثلاثة من خلال عملية بيعها بل سيبيعها بواحد وعشرين (د) أو أكثر من ذلك ولا يقنع بربح هو من المعقول بمكان،لكنَّ اليهودي المُجاور أو المُقابل لإخواننا من العرب يكتفي بزيادة الدينارين أو الثلاثة ويقنع بتلك الزيادة المعقولة،وهو لا ينظر من هذه الزاوية بل ينظر من زاوية أخرى وهي أنـَّه وفي ظرف قصير من الزمن تنفد تلك السلعة من محلِّه ويجلب السلعة تلوى السلعة ويتضاعف الربح ساعتها أضعافا مُضاعفة،أما ذلك العربي فإنه سيبقى بجانب بضاعته الكاسدة (ينش الذباب على أنفه) ولن يُباع منها ولو النزر القليل،وزيادة على ذلك كله فلقد يَنـْفـَضُّ الزبائن عن دكانه لشُبهة المُبالغة في الربح.
اليهود عندنا وفي كل مكان يتعاملون بالربا وذاك ليس جديدا عليهم فمثلا إذا استلف (اقترض) أحد العرب من يهودي مبلغا مُعتبرا من المال،ثمة سيكون بينهما اتفاق يقضي بأنـه سيُعيده إليه بضعف ما أخذ،أما وفي حالة تجاوز المدة المُحددة فإنَّ على ذلك العربي التنازل لذلك اليهودي وبكل طواعية عن أي عقار أو ماشية أو أية غلة أو ما شابه كل تلك الأشياء المُمتلَكة من طرف ذلك العربي ،سيتنازل عنها لذلك اليهودي بموجب اتفاق جرى بينهما في سالفةٍ من ذلك الزمن الرَّاكض بكل سرعة جد فائقة،وكلما طالتْ مدة الدَّينْ كلما تضاعف تسديده من طرف ذلك المُقترِض المُغفَّل. 
أتى سائلٌ عربي إلى دكان أحد اليهود وكان يجلس أحد العرب عند ذلك اليهودي،لمَّا أقبل ذلك السائل العربي عليه أعطاه ذلك اليهودي بعض الدراهم المعدودة،وبعد بُرهة من الزمن قصد هذا الدكان سائلٌ يهودي لمَّا شاهده صاحب ذلك الدكان نهره ونعته بأوقح الألقاب وأخزاها ولم يعطه مثلما أعطى ذلك السائل العربي،تعجَّب ذلك الجالس العربي من هذا التصرف الذي بدر من صاحب ذلك الدكان ولما سأله عن السبب ردَّ عليه قائلا =
ـ حَبَّيتْ أنْرَبيهْ لو باهْ مايْزيدَشْ يُطْلَبْ مَرَّهْ أخرى.
فَهِمَ ذلك العربي الجالس بأنَّ ذلك اليهودي التاجر لم يُعط تلك الصدقة الجزيلة لذلك السائل العربي لله أو بدافع إنساني،بل أعطاه إيَّاها وذاك كي يظل يُمارس مهنة التسول إلى آخر رمق من حياته،وبالمُقابل لكل ذلك يدع أمثاله من أولئك المُتسوِّلين العرب مُختلف المهن والحرف الأخرى لهؤلاء اليهود وبدون أي مُنافس يخشون تفوقه عليهم في مثل تلك الأعمال التي احتكروها بحيلة وبدهاء وبخُبث وبمكر لا حدود لبثــِّهم على طول المجال والمدى.
إنَّ اليهود مثل الدُّود وكالخفافيش أينما حلُّوا وحيثما ارتحلوا يمخرون أيَّ شيء يجدونه أمامهم،ويمتصون كل أنواع الدماء ولا يقنعون بذلك مهما كان الأمر،لا تصل إلى أية فائدة بجانبهم أنتَ فقيرٌ مُعْدَمٌ ومُحتاجٌ إليهم في دولتهم وهم مَنْ يُقرِّرُ مثل هذا أو ذاكَ،أُصمتْ لا تتكلَّمْ في حضرتهم أنتَ في خانة العدم ودائرة الضياع،إذا أردتَ أنْ تعيش معهم فطأطئ رأسك إلى أسفل حد ممكن ولا تحتج عن ضياع أو سلب متاعك مهما يكن،أسكتْ ولا تجادل أحدا منهم مهما بلغتْ حقارته،انحني إلى أبعد حد من ذلك الركوع أو الانحناء فأنتَ في دولة زرقاء ومملكة صفراء تحكمها وتُديرها مخلوقات مُشوَّهة مُنكَرة بغيضة نتنة نكرة حمقاء هي في الأصل تلك العاهات التي اصْطُلح على تسميتها بالأفاعي السَّامة اليهودية. 
هنالك العديد من الروايات والأقاصيص التي تشبه هذه والأخرى تجدها غالبا في ذات السياق وفي غيره لكنَّ أوانها سيأتي في موعده إنشاء الله.
حَلَّ بهذا الحي العتيق أيضا بعضُ ُمن تلك الطوائف النصرانية الأقرب إلينا مودة ورحمة ورأفة ومُسالَمة. 
بحوزة هؤلاء النصارى الذين أقاموا بيننا في ذلك العهد القديم (مَستشفى) نـُطلقُ عليه الآن تسمية (صْبَيْطَارْ العَسَكْري)،هذا بجانب مدرسة مُحْكَمَة البناية جميلة الطراز نـُسبتْ تسميتها إلى أحد النصارى البارزين يُدعى هذا الأخير (شارلواْ،،،وبالتخفيف شــَالُواْ) ولهذا سُمِّيتْ المدرسة إثر ذلك الزمن الفائت بـ :(إيكولْ شــَالُواْ)،كان يقطن هؤلاء الجيران من النصارى بمعية سكان مسلمين من أصول عربية.
قد روى لي أحد الشيوخ الثقاة بأنَّ اليهود وكما عُرف عنهم منذ القِدَم كانوا يكنزون الذهب والفضة في جِرَارٍ فخـَّارية ويردمونها في زوايا وأركان معلومة بتلك البيوت التي يقطنونها (ذاك ديدنهم؛؛هذا ليس بالغريب عنهم)،وأخبرنا أيضا أولئـك الثقاة بأنَّ ومن خلال إجلائهم من طرف السلطات الجزائرية وعن بُكرة أبيهم من أرض الوطن عامة ومن بوسعادة خاصة،قد تمَّ توصل العديد من المُحتلِّين لتلك الديار إلى إيجاد الجرار المُعبأة بالذهب والفضة بشكل جد تلقائي وطليق (أخْدَمْ يا التــَّاعَسْ للنــَّاعَسْ)،فكم من فقيرٍ مُعْدَمٍ أصبح من الأغنياء المُرفـَّهين وفي ظرف جد قياسي من الزمن وذاك بمجرد حُصوله على تلك الجرار المُعبأة بذلك الكنز الدفين.
هذا من بعض ما تجلَّى لنا من حي أُطلق عليه تسمية (المخفيات) غير أنَّ ما خَفِيَ منه وفيه كان أعظم،أخبرنا أحد الشيوخ الثقاة (وهذا من أقدم سكان الحي) بأنَّ أصل تسمية المخفيات أتى من احتكار اليهود للعديد من السلع النادرة (الاحتكار هنا وفي الشق الآخر من معناه يعني الإخفاء)،حيث لَمَّا تشتد الحاجة إليها ويكثر الطلب عليها من طرف أولئـك المواطنين البُسطاء ولا يجدونها في أماكن أخرى من البلاد،يهرعون إلى دكاكين اليهود بالمخفيات فيجدونها متوفرة عندهم وبشكل جد مُغْرٍ ومُثير,وبما أنَّ المواطن وفي جل الحالات السائدة عندنا يظل من صانعي وفارضي سُلطة الترويج لأغلب القرارات القاعدية وبصفة جد مُقنـَّنة ومُمنهجة،وذاك وبطبيعة الحال على حسب ما يدور ويُرَدَّدُ في أوساطنا الشعبية غالبا،غـَـيَّرَ تسمية الحي من التسمية القديمة التي كان عليها وهي (شارع ليهودْ) أو (بابْ ليهودْ) وفي رواية أخرى (بوَّابة اليهود) إلى التسمية الجديدة التي دام عليها المكان وإلى حدود الساعة من وقتنا الحالي وهي (المخفيات) غير أنَّ التسمية الأولى(شارع اليهود)والثانية (المخفيات)إنما هما عبارة عن وجهين لعملة واحدة وللحديث قياس ونبراس.
بقلم/محمد أوذينة.
هذه الصورة من ضمن ألبومي الخاص.