الرئيسية 8 بوسعادة تاريخ وحضارة 8 شخصيات من بلادي 8 الشهيـــد بعداش بن حمـدي ..أول شهيد من الولاية السادسة يعدم بالمقصلة…
الشهيـــد بعداش بن حمـدي ..أول شهيد من الولاية السادسة يعدم بالمقصلة…

الشهيـــد بعداش بن حمـدي ..أول شهيد من الولاية السادسة يعدم بالمقصلة…

 

اعرف أن الكثير من الجزائريين وحتى من أبناء المنطقة التي ينتمي إليها الشهيد بعداش لم يكونوا يعرفون من هو هذا الشهيد البطل بالضبط، وما هو ذلك العمل البطولي الرائع الذي قام به إلا بعد سنوات عديدة من حدوث ذلك ، نظرا لما أحيطت به هذه العملية النوعية منذ البداية من غموض وبلبلة وتعتيم إعلامي. 
وسبب ذلك في اعتقادي هو أن كلا الطرفين المتحاربين “الفرنسي وجبهة التحرير الوطني ” كان له مصلحة في التعتيم على هذه العملية وإحاطتها بالغموض الذي أحيطت به لأسباب وحسابات تخصه.
غير أنه في السنوات الأخيرة بتنا نسمع عن العملية وعن منفذها الشهيد بعداش بن حمدي ،بعد أن نشر المجاهد باسطا أرزقي سنة 2009 كتابه ” مواقف وشهادات عن الثورة الجزائرية” ، ثم تتالت المحاضرات والندوات والمقالات الصحفية بعد ذلك .
وقصد الإلمام بالجوانب المتصلة بهذه القضية وملابساتها، والسعي إلى أخذ الحقائق من مصادرها الأصلية ..وبعد حصولي على هاتفه الشخصي سارعت إلى الاتصال بالمجاهد باسطة أرزقي رئيس فوج الكومندوس الذي ينتمي إليه الشهيد بعداش ،وصاحب الفضل في كشف اسم هذا البطل والكتابة عنه ، وسألته عن حقيقة هذه العملية وعن الأسباب والخلفيات التي كانت وراء تجاهلها والتعتيم على منفذها الفعلي فأكد لي ما سمعت وما قرأت وزادني على ذلك ، أن بعداش كان عضوا في تنظيمه السري و يخضع لقيادته الشخصية المباشرة ،وكان مناضلا مصاليا وهو المنفذ الحقيقي لعملية الاغتيال تحت أوامر هذا التنظيم ولحسابه ، ولا خلاف على هوية المنفذ عند الجزائريين والفرنسيين.
ومنذئذ أخذت قصة الشهيد بعداش طريقها إلى النور، وبدأ الناس يتداولون اسمه ويسألون عن أصله وفصله ، ويبحثون في الوقت ذاته عن الأسباب والخلفيات التي كانت تقف وراء جهل أو تجاهل ما قام به هذا البطل طوال هذه السنوات.
وقد كان لي شرف الكتابة عن هذه العملية وعن صاحبها معتمدا في ذلك على هذه المصادر وعلى بعض الشهادات ، وكلها – كما ترون – تتقاطع في نسبة العملية للشهيد بعداش دون سواه.
ملابسات عملية مقتلAmédée FROGER.
كانت هذه العملية كما أشرت قد أُحيطت في بادئ الأمر بغموض غريب يخص تحديد هوية المنفذ والجهة التي تقف وراءه ، وكانت الأوساط الأمنية والإعلامية الفرنسية آنذاك قد حصرتها في فرضيتين لا ثالثة لهما من غير أن يكون بعداش أحد هاتين الفرضيتين بطبيعة الحال.
الفرضية الأولى :أن يكون علي عمار المدعو “علي لا بوانت” هو من قام بإطلاق ثلاث رصاصات من مسدسه على آميدي فروجي على الساعة التاسعة وخمس وخمسين دقيقة من يوم الجمعة 28 ديسمبر 1956 بشارع ميشلي (ديدوش مراد حاليا) عندما هم الأخير بركوب سيارته من نوع 403 ثم لاذ بالفرار دون أن يفلح سائق فروجي وحارسه في إصابته.
الفرضية الثانية : هي أن تكون إحدى التنظيمات المتطرفة العاملة لمصلحة الاستخبارات الفرنسية هي من قتلت فروجي حتى تلفق التهمة للجزائريين لإحداث رد فعل عنيف من جانب الجيش الفرنسي يبرر له ارتكاب مجازر انتقامية ضدهم. 
أما من جانب جبهة التحرير فقد تكون إشارة المجاهد باسطة في حوارله مع “جريدة الخبر” إلى أن الشهيد بعداش ينتمي إلى “جناح مصالي الحاج” إجابة واضحة على هذا السؤال ،وسببا كافيا يجعلنا ندرك سبب تجاهل العملية من طرف رجال الجبهة ،أو بالأحرى سبب تجاهل اسم منفذ العملية بالرغم من أنها عملية بطولية نوعية كبيرة زلزلت كيان العدو واهتز لها الرأي العام الفرنسي باستهدافها شخصية فرنسة مرموقة في المجتمع الفرنسي، وتكون الإشارة أكثر صراحة ووضوحا حين ييعترف السيد باسطة ذو الميول المصالية “أن بعضهم “يقصد الجبهويين” لم يرد قبول أن يكون للمناضلين المصاليين (الحركة الوطنية الجزائريةM.N.A) شرف القضاء على عدو ذي مكانة وقوة كرئيس رؤساء بلديات الجزائر كلها المعمر الدموي الأكثر عنصرية بالجزائر أميدي فروجي..وهي أكبر وأشهر عملية اغتيال عرفتها الثورة.”
وكان المجاهد ياسف سعدي المسؤول العسكري لجبهة التحرير الوطني “بالمنطقة المستقلة لمدينة الجزائر”zone autonome d’alger أيام الثورة قد نفي نفيا قاطعا مسؤولية الجبهة أو أي من عناصرها بمن فيهم “علي لا بوانت” في اغتيال آميدي فروجي ، وذلك خلال لقاءات و تصريحات صحفية عديدة أدلى بها لصحف وقنوات فرنسية، وقد ذهب ياسف إلى حد اتهام “القيادة العسكرية الفرنسية المتواطئة مع تنظيمات “الأقدام السوداء” وغلاة الاستعمار المناصرين لهم بتنفيذ هذا الإعدام من أجل تقوية نفوذ الجنرالات وأتباعهم من الضباط الساميين الآخرين المهيمنين على الوضع،والسؤال المطروح هل قيادة الجبهة كانت تجهل حقا المنفذ الفعلي للعملية أم أن وراء تجاهل اسم منفذها مقاصد ودوافع حزبية سياسية حتى لا ينسب شرف عملية نوعية كبيرة بهذا الحجم لأحد أشد مناوئيها و خصومها الألداء؟.
من هنا يتضح لنا أن إهمال ذكر الشهيد بعداش وتجاهل اسمه ودوره جاء في سياق الصراعات والانقسامات الحادة التي برزت داخل صفوف “حزب الشعب” قبيل اندلاع الثورة ،و كان باسطا أكثر صراحة ومباشرة في تحميل المجاهد محمد بوضياف” مسؤولية إقصاء المصاليين عن أي دور في الثورة ، فهو من أوصى الثنائي كريم بلقاسم وعمر أوعمران بعدم الاعتماد على الخلية المسلحة التي تكونت بالقصبة استعدادا للثورة باسم مصالي الحاج”. 
لكن الحقيقة أقوى من أن تُخفى أو تُزيف أو يتم تجاهلها أو التستر عليها إلى ما لا نهاية ، إذ ما لبثت الصحف الفرنسية أن نشرت في 05 مارس 1957 خبر اعتقال قاتل فروجي الحقيقي المدعو “بعداش بن الحمدي” بحي محي الدين بالعاصمة يوم 26 فيفري 1957 ، بواسطة فوج المظليين الأجانب Régiment étranger de parachutistes ، وفورا حولته إلى المحكمة العسكرية الفرنسية، وأجريت له محاكمة صورية سريعة انتهت بالحكم عليه بالإعدام في 11 أفريل 1957 ،وخرجت الصحف الفرنسية منتشية تبشر بالحكم وتروج له وتنشره على صدر صفحاتها الأولى.
وكانت المدة الفاصلة بين تاريخ اعتقال بعداش بن الحمدي وتاريخ تنفيذ حكم الإعدام فيه قصيرة للغاية ، واعتُبرت أسرع عملية تنفيذ للحكم ، حيث صدر حكم الإعدام على بعداش ثلاثة أشهر ونصف فقط قبل تنفيذه.”فلم تكن المحاكم الفرنسية لترحم مناضلا تحدى القوة الاستعمارية .

كان لهذه العملية النوعية آثار ومفاعيل دراماتيكية في المزاج الفرنسي العام ،وأحدثت غضبا وهستيريا في أوساط المعمرين والأقدام السوداء، فراحوا يقتلون العشرات من المواطنين انتقاما ، و قرر العديد من رؤساء البلديات تقديم استقالاتهم احتجاجا ، كما كان للعملية تداعيات سريعة على سياسة الاحتلال الفرنسي وعلى خططه ومشاريعه العسكرية ، وربما كانت هذه العملية الفتيل المباشر الذي أشعل نار المقاومة داخل مدينة الجزائر فيما عرف ب(معركة الجزائر La bataille d’alger)التي جرت بين أواخر 1956 إلى سبتمبر 1957 ، وتخللها إضراب الثمانية أيام الشهير بين 28 جانفي و04 فيقري 1957 ،الأمر الذي دفع جنرالات فرنسا : لاكوست، بيجار، ماسي إلى محاولة إجهاض هذه الانتفاضة والقضاء عليها باستعمال كل الوسائل والأساليب الوحشية ..ولكن هيهات .
من هو الشهيد بعداش بن الحمدي؟. 
كل ما كان يُعرف عن هوية الشهيد بعداش أن اسمه: اسانبي بعداش بن حمدي ، (وعبارة “اسانبي” تدل على أنه مجهول الهوية)، وحتى مدربه وآمره باسطة أرزقي لم يكن يعرف من هوية ذلك الشاب المنتسب إلى تنظيمه الفدائي –كما ذكر في كتابه الآنف الذكر – سوى أنه “اسنبي باداش” أوحمدي بعداش المولود في بوسعادة والساكن بحي محي الدين القصديري البائس بالعاصمة،ولكننا عرفنا تفاصيل هوية الشهيد الحقيقية من مقال المجاهد أحمد زديرة عضو المجلس الوطني للمنظمة الوطنية للمجاهدين، الذي نشره بجريدة صوت الأحرار تحت عنوان ” من قام بإعدام أميدي فروجي ومن كلفه بتنفيذ ذلك؟”، وكان قد تواصل مع عائلة الشهيد القاطنة بامدوكال ولاية باتنة، وجاء تعريفه له على هذا النحو:” سانبي بعداش بن حمدي بن لخضر وابن جدلة بنت أحمد المنحدر انثروبولوجيا من عرش أولاد سليمان الذي كان ينتمي أثناء الاحتلال للمكان المسمى “الجب” التابع لإقليم بوسعادة عمالة التيطري قبل أن يصبح بلدية كاملة الصلاحيات بحكم التقسيم الإداري لسنة 1984 وتحمل اسم العرش نفسه أي “بلدية أولاد سليمان” وتتبع لدائرة بن سرور ولاية المسيلة حاليا”.

ويذكر أخ الشهيد “صالح “أن بعداش كان في طفولته منعزلا ومنطويا على نفسه ورافضا لبعض الأعمال كرعي الغنم وجلب الحطب وغيرها ،وكأنه يهيئ نفسه لمهمة أخرى أعظم وأجل ، كما عرف عنه كثرة تردده على مدينة امدوكال الثائرة التي خرج منها العديد من الثوار الأبطال ، لكنه لم يلبث أن تم ترحيله مع عدد من طالبي العمل إلى الجزائر العاصمة بواسطة شخص يدعى دلهوم عبد القادر ..ويضيف شقيقه صالح أن الشهيد بعداش عاد إلى مسقط رأسه ” لروية” بعد تنفيذ العملية مباشرة في مطلع جانفي 1957 لمدة قصيرة لم تدم أكثر من 20 يوما حتى يتوارى عن أنظار السلطات الفرنسية الساعية إلى إلقاء القبض عليه ، وفور وصوله اتصل بالرائد علي بن مسعود القائد العسكري المعروف بالولاية السادسة وأخبره بقيامه بتنفيذ العملية والصدى الكبير الذي أحدثته في الأوساط السياسية والعسكرية والإعلامية الفرنسية ، وكان هذا اللقاء الوحيد بينهما بحضور شقيقه صالح ،ويبدو أن الرائد علي بن المسعود قد اقترح عليه الالتحاق بجيش التحرير غير أن بعداش اعتذر بحجة انه اشتاق إلى أصدقائه ورفاقه في حي محي الدين وعليه أن يسافر.

وهذه معلومات إضافية عن الشهيد البطل تمكنت من تسجيلها من متحف المجاهد بالعاصمة:
الإسم :بعداش بن حمدي آسنبي
تاريخ الميلاد: مولود في 1930 بوسعادة
المهنة :عامل يومي.
تاريخ الدخول إلى السجن:08 مارس 1957 بربروس
رقم الزنزانة:8058.
تم تنفيذ حكم الإعدام فيه بالمقصلة في 25 .07. 57 على الساعة الثالثة و40 دقيقة صباحا .
وكان ترتيبه في الإعدام بعد الشهيد أحمد زبانة 22 .
وقد أعدم معه في الساعة نفسها والتاريخ نفسه كل من : حسني بوعلام (من بوفاريك) و لبدي علي (من مدينة الجزائر) رحمهم الله جميعا.
من هو المعمر القتيل :آميدي فروجي؟.
تعمّدت عرض سيرة حياة هذا المعمر المتطرف حتى يتبين القارئ الكريم أهمية تلك العملية النوعية التي نفذها شهيدنا بعداش رحمه الله ، ومكانة هذه الشخصية الاستعمارية في الأوساط الفرنسية بالجزائر،ومدي حزنها وسخطها وغضبها لمصرعه.

– من هو المعمر القتيل فروجــــي؟:
وُلد المعمر Amédée Frogerفي 23 ماي سنة 1882 بمدينة Philippeville “سكيكدة حاليا” ، شارك في الحرب العالمية الأولى كطيار وأسقطت طائرته بنواحي باريس يوم 28 ديسمبر 1915 وأصيب إصابة بالغة دخل على إثرها في غيبوبة لمدة ثلاثة أشهر ، ومن مفارقات القدر العجيبة أن الحظ الذي أسعفه في النجاة من الموت المحقق عند سقوط طائرته يوم الثلاثاء 28 ديسمبر 1915 خانه وخذله في التاريخ ذاته فسقط قتيلا يوم الجمعة 28 ديسمبر 1956 بين الساعة 9.50 دقيقة و10.15 أمام مسكنه بشارع ميشلي (ديدوش مراد) على يد الشهيد البطل بعداش بن حمدي وكان القتيل يكبُر قاتله ب48 سنة. 
بعد نهاية الحرب العالمية الأولى استقر فروجي بمدينة بوفاريك وعمل بالزراعة .وتم انتخابه سنة 1919 عضوا بالمجلس العام للمقاطعة الذي أصبح رئيساله لاحقا . ثم انتخب بالمجلس البلدي لبلدية بوفاريك سنة 1922، و أصبح رئيسا للمجلس .وفي عام 1948 أنشا الجمعية الجزائرية لرؤساء البلديات وكان مندوبا لبلدية بوفاريك.ثم رئيسا لجمعية رؤساء بلديات الجزائر(من 1948الى 1956). وكان من غلاة الفرنسيين المدافعين عن فكرة” الجزائر فرنسية” .

كرمته السلطات الاستعمارية بإقامة تمثال برونزي له بوسط مدينة بوفاريك في 1 فيفري 1959 ، بحضور السلطات العسكرية والمدنية الفرنسية 
رحم الله الشهيد بعداش وسائر شهداء الجزائر البررة. .ملاحظة: لهذا الموضوع مراجع موثقة.. 
عبد الحميــد عباســـــي.

 

عن moha

avatar