الرئيسية 8 الاخبار والمقالات 8 اخبار ومقالات الصحف 8 إجماع على دفن “عروس كردادة” بحضور “القايد”
إجماع على دفن “عروس كردادة” بحضور “القايد”

إجماع على دفن “عروس كردادة” بحضور “القايد”

صحافيو “المساء” عادوا بألف سؤال عمّا يحدث في بوسعادة

إجماع على دفن “عروس كردادة” بحضور “القايد”

مدينة بوسعادة خُلقت لتكون قبلة للسياحة والترويج الثقافي لما حباها الله من موقع جغرافي متميز وسكان يتسمون بالجود وحسن الضيافة. لكن مدينة السعادة، كما تلقّب، يبكي أهلها على مجدها المسلوب ويستحضرون عصرها الذهبي بحرقة. “ماضي” أصبح من الماضي. النخيل والبساتين التي كانت توشح المدينة غيّرته بطوق من البناء الفوضوي الذي حتّمته الظروف الأمنية في عشرية الإرهاب على حساب الطبيعة الخلابة التي كانت مصدر رزق وثروة لسكانها، ذلك أنها تُعد وجهة سياحية ممتازة، وقطبا سينمائيا سطع نجمه في ثلاثينيات القرن الماضي. أنتجت العديد من الأفلام الأجنبية المعروفة من خلال الديكور الذي منحته لهذه الأعمال، وفضاء بزغ النور فيه لم يره غير الفنانين التشكيليين المستشرقين، يتقدمهم ريتيان أو نصر الدين دينيه.

تصنَّف مدينة بوسعادة على أنها مدينة سياحية ذات تراث عريق، تقع في الجنوب الشرقي للبلاد على بعد 248 كلم من الجزائر العاصمة، وهي دائرة تابعة لولاية المسيلة التي تبعد عنها بـ 65 كلم، وتلتقي عندها طرق وطنية هامة اتجاهاتها شمال جنوب، شرق غرب، الشمال والجنوب الغربي، وبذلك تشكل نقطة عبور متقاطعة لطرق نحو الصحراء.

وادي بوسعادة: الفوضى نبتت على ضفافه

أكد سعيد حبيشي عضو المجلس الشعبي البلدي أن مدينة بوسعادة تشكل ملتقى طرق جعلها أيضا ملتقى للثقافات، وأن الجغرافية التي تتمتع بها نوعية الجبال والوادي الواحة التي كانت تضمن أكثر من 40 ألف نخلة والبساتين والوادي الذي كان نظيفا بما فيه من صخور وأنواع السمك والحيوانات المائية والبرية التي كانت فيها.

وأضاف: “توسعت المدينة، وبرزت الأحياء الجديدة بما فيها الفوضوي والقانوني، كل هذا أفسد واد بوسعادة ولم يعد كما كان؛ فالنخيل نقص بنسبة كبيرة بلغت 70 بالمائة، والبساتين كانت كثيفة، وبسبب النمو السكاني وقضايا الميراث تناقصت وأهملها أصحابه”.

مدينة بوسعادة هي أقرب واحة إلى العاصمة الجزائرية. كانت في وقت سابق مقصدا للزوار والسياح، لكن اليوم تعاني من التهميش وفقدت المدينة تألقها، بسبب انعدام التنمية التي كانت لا بد أن ترافق النمو السكاني، إذ تتربع الدائرة على مساحة تقدر بـ 255 كم2، تتوزع عليها مجموعة سكنية تصل إلى 183000 نسمة؛ بمعدل يقدَّر بـ 717 نسمة /كم.

ويشكل وادي بوسعادة أحد المناطق الطبيعية الخلابة التي ضاع جمالها، وأصبح أشبه بمفرغة عمومية لكثرة القمامة التي لوّثت الواحة والوادي. كما أن قنوات الصرف القذرة تصب في مجرى الوادي أيضا، وهو ما يشكل خطرا بيئيا حقيقيا. ومن المؤسف أن يكون مصيره على هذا النحو خاصة إن كان أهل بوسعادة يشربون منه وتغسل النسوة فيه الثياب.

وبهذا الخصوص كشف عمر نعيمي عضو بالمجلس الشعبي البلدي، أن هناك مشروعا لربط جميع أحياء المدينة بمصفاة الصرف الصحي التي تفوق 70 مليار سنتم. ويجري حاليا تنفيذ بعض أجزائه، والمشروع كفيل بالتخلص من بؤر التلوث بوادي بوسعادة وحي ميطر اللذين يُعدان من المناطق السياحية التي يتوجه إليها السياح.

سنوات “الجنون” أفسدت العمران

في معرض حديثه عن التوسع العمراني للمدينة، أكد عمر نعيمي أن جميع أحياء بوسعادة بنيت بطريقة فوضوية، والسكنات التي بنيت في الفترة الماضية وبالخصوص خلال العشرية السوداء، عددها كبير جدا، مشيرا إلى أنه ما زاد في عدد السكنات الفوضوية هو النزوح من القرى والمداشر المختلفة باتجاه المدينة، وعدم وجود آليات تستوعب هذا العدد من المواطنين النازحين.

وأضاف المتحدث أن التوسع العمراني للبلدية والدائرة ككل محتشم، فالسكنات الاجتماعية المنجزة قليلة بالمقارنة مع عدد الطلبات، وأن الوكالة العقارية مغلقة منذ سنوات بعد أن جمد الوالي نشاطها بسبب سوء التسيير، الأمر الذي أدى إلى استنزاف الأوعية العقارية بطريقة فوضوية في غياب آليات تردع “مافيا العقار”، الذين جعلوا من هذه الأوعية مصدر رزق لهم.

وأشار نعيمي إلى أن الكارثة الكبرى تتمثل في استفادة بعض الأحياء التي بنيت بطريقة فوضوية من الكهرباء والغاز والتهيئة، في حين أن الأحياء التي استفاد أصحابها من قطع أرضية بطريقة قانونية، لازالت إلى حد الآن تعاني التهميش.

وضرب مثلا بحي 100 سكن تساهمي الذي أنشئ سنة 2003 ولم يستفد من الكهرباء إلى حد الساعة، وكذلك بعض أجزاء حي محمد شعباني الذي أنشئ في بداية الثمانينات ولم يستفد من قنوات الصرف الصحي والتهيئة إلى حد الآن، والمشكل أن المشاريع القطاعية يتم تسجيلها على مستوى الولاية ولا دخل للبلدية فيها.

بالرغم من وجود آليات التعمير إلا أنه لم يتم تطبيقها، وهذا لعدة أسباب تتعلق بالفرق الزمني الكبير الذي يفصل بين عملية إعداد النصوص والمصادقة عليها، والتغيرات الحضرية تتم بسرعة موازاة مع إنجاز المخططات، إذ استغرقت مدة إنجاز المخطط التوجيهي لبوسعادة مثلا، أكثر من 09 سنوات، فضلا عن انعدام أسلوب عملي في مجال نزع الملكية الخاصة لفائدة الملكية العامة، وعجز المخططات عن تحليل سلوك الفاعلين الاجتماعيين والتنبؤ بها. كل ذلك أسفر عن نتيجة مفادها أنه كلما حصل عدم تطبيق معلن لأدوات التهيئة والتعمير في مجال ما، نتج عنه الركود والتراجع الواضح في التنمية الحضرية بمختلف مستوياتها الاجتماعية والاقتصادية والإيكولوجية والثقافية.

حل الوكالة العقارية عقّد المشكل أكثر

أدى مشكل السكن بالمواطن جويدر كمال إلى تأسيس جمعية حي 80 مسكنا تساهميا، وهو الحي الذي تحوّل إلى خراب، وأصبح يتجه إلى الإدراة من خلال الجمعية قصد إيجاد حلول؛ إذ أكد لـ “المساء” أن مشكلة تلك السكنات عميقة وكارثية بدأت منذ عام 2004، والحي هو مشروع بناء تساهمي للوكالة العقارية. 

حي 80 مسكنا تساهميا هو مشروع للوكالة العقارية لبوسعادة، ثم أفلست هذه الوكالة وأغلقت أبوابها في 2005، ثم تسلمت المشروع وكالة المسيلة، وقد دفع أصحاب هذه السكنات المستحقات المالية التي تقدَّر بـ109 ملايين سنتيم لشقة ذات أربع غرف، و88 مليون سنتيم لشقة من ثلاث غرف، وهذا المشروع مقسم على أربع مراحل؛ 36 مسكنا يتواجد المقاول المشرف عليها في العدالة بسبب الغش في مقاييس البناء، و8 مساكن في يد مقاول آخر، و20 مسكنا أضيفت للمقاول صاحب 8 مساكن، أما 16 مسكنا فتوشك أشغالها على الانتهاء، ولم تجهَّز كلية وبلغت نسبة الإنجاز 70 بالمائة، ويُنتظر أن تسلم قبل نهاية السنة الجارية. لكن بخصوص قنوات الصرف الصحي والغاز والماء والكهرباء لم ينجز منها أي شيء.

وذكر المتحدث أن مشكلا آخر يُطرح على مستوى مديرية أملاك الدولة التي تتقاعس في إنهاء أوراق عقود الملكية وتسليمها لأصحابها.

السياحة رقم استثماري مضروب   في الصفر

كشف سعيد حبيشي عضو المجلس الشعبي لبلدية بوسعادة، أنه ليس هناك أي جديد في المجال السياحي ولم تستفد بوسعادة من أي مشاريع سياحية، وأنه منذ الاستقلال إلى اليوم أهملت السياحة والثقافة، بحكم أنهما مربوطتان مع بعض، ودفعت بوسعادة ثمن هذا الإهمال الذي كان سببه النظام الاشتراكي السابق. وبقيت المدينة تراوح مكانها، بل تراجعت، ولم تتحول إلى قطب صناعي ولا قطب فلاحي وضاعت السياحة التي كانت مصدر رزق وثروة لسكانها.  

يعود المتحدث بنا الى تاريخ بوسعادة مستحضرا أمجادها، وقال إنه مع قدوم الاستعمار أصبحت المدينة مهمة، سكن فيها الأوروبيون، وانتشر فيها التعليم والثقافة؛ مما جعل الناس يلجأون الى المدينة، ومنها نشأت ثقافات أخرى فالمدينة تزخر بالشعراء والعلماء والأئمة. وأضاف أن بوسعادة تتحلى بخصوصية ثقافية جذبت الطبيعة من الوادي وجبل كردادة والشمس. ويقول بعض الفنانين الرسامين إن هناك ضوءا يجذب لاسيما في المساء عندما ينعكس شعاع الشمس على الجبل.

وأكد حبيشي أن واحة النخيل نقصت بنسبة كبيرة وصلت إلى 70 بالمائة ولم يعد فيها سوى 30 في المائة أو أقل، والبساتين التي كان أصحابها مهتمين بها أُهملت نظرا للنمو السكاني وقضايا الميراث، والآن قليل من البوسعاديين يهتمون ببساتينهم. 

يوجد فندقان ببوسعادة “كردادة” و«القايد” فقط وهما من التركة الاستعمارية، ومن الاستقلال الى يومنا هذا لم يشيّد أي فندق آخر، ولم تستفد بوسعادة من أي مشروع سياحي.

ودعا المتحدث وزارتي السياحة والثقافة للاهتمام بالمدينة، وإرجاع هذه الصفحة المنيرة من الوطن إليه، خاصة أنها تملك طاقات إضافة إلى فندق واحد من الطراز العالي، مذكرا بأن هناك عددا من الفنادق الصغيرة تابعة لبعض المستثمرين لكنها تمتلئ عن آخرها بشكل يومي، وعددها قليل أيضا.

وأضاف أن السياحة في بوسعادة تستدعي إعادة إحياء عيد البرنوس، وتنظيف الوادي والاهتمام بالواحة، علاوة على رد الاعتبار للمدينة القديمة “القصر”، وكل هذا منوط بمشروع وطني لإرجاع المدينة القديمة إلى طابعها الأصيل؛ فلا البلدية ولا الولاية قادرة على ذلك.   

“هوليود الصغيرة”: حلم يتبخر

تطرق سعيد حبيشي الى موضوع السينما وقال إن أفلاما كثيرة أنجزت بهذه المدينة خلال عشرينات القرن الماضي، ففيلم “طرازان” في نسخته الأولى، صُورت العديد من المشاهد فيها، وكذلك فيلم “شمشوم ودليلة” و”ثلاث مسدسات ضد سيزار”، وغيرها من الأفلام التي أنجزت في بوسعادة؛ نظرا للطبيعة واللباس التقليدي المتداول في الحياة اليومية للبوسعاديين؛ ما يمثل ديكور حقيقيا وكذا المناظر الطبيعية والأحياء القديمة، والأمر نفسه بالنسبة لخارج المدينة بالاتجاه نحو المشبك وطاحونة فيريرو، وصولا إلى العلايق التي تمتاز بمناظر شبيهة بمنطقتي تكساس أو نيفادا الأمريكيتين.    

منذ عام 1923 أصبحت بوسعادة المكان المفضل للمخرجين السينمائيين الأجانب، بحكم موقعها الجغرافي المميز، لما توفره من مناخ ملائم لاسيما في مراحل اختيار أماكن التصوير، نظرا لسهولة المسالك ووفرة الطرق والممرات المؤدية إلى أماكن التصوير.

إلى جانب وفرة الكومبارس وبعض الأيدي العاملة البسيطة. كما توفر فضاءات بوسعادة مختلف العوامل التي تحتاجها عادة البلاتوهات السينمائية. وتستحق بوسعادة أن تحظى بعناية فائقة لإقامة مشاريع سينمائية أو حتى التفكير في إعادة المدينة السينمائية، بالنظر إلى المكانة الكبيرة التي حظيت بها بوسعادة في قلوب كبار السينمائيين.

ويبدو أن فكرة بناء هوليوود الصغيرة تبخرت، وهو حلم الأمريكان في أربعينيات القرن الماضي، وكذا الفرنسيين خلال فترة الاحتلال، بناءً على واقع مزرٍ وقفت عليه “المساء” بالمدينة. 

 

دليلة مالك