الرئيسية 8 حقيبة بوسعادة السعيدة 8 شخصيات من بلادي 8 الشهيد دحماني أحمد بن الحاج عامر
الشهيد دحماني أحمد بن الحاج عامر

الشهيد دحماني أحمد بن الحاج عامر

 

من شهــــداء ومجاهــــدي المنطقة الثالثــة.

دحماني أحمد بن الحاج عامـر..الشهيد الذي بذل نفسه وماله وولده فداء للجزائر..

رجــــل ليس كباقي الرجال ،صَدرٌ مقدم في فضائل كثيرة ، وقد توفر فيه من المناقب والخصال ما يتمنى أي رجل أن تتوفر فيه، رزانة وحنكة ، بطولة ورجولة ، مروءة و شهامة ، عفة ووجاهة ،تدين وخلق كريم ،عاش عزيزا صنديدا، ومات مجاهدا شهيدا ،كان يجدر بأبناء هذه المنطقة أن يخلدوا ذكر هذا البطل المغوار الذي جاد من أجل تحرير وطنه و عزة وكرامة شعبه بأعز و أغلى ما تجود به النفوس الكبيرة ، والهمم العالية : المال والنفس والولد ، ويقيمون له تمثالا لائقا يفيه بعض حقه.
ولد الشهيد أحمد بن عامر دحماني بمدينة بن سرور عام 1908 كان ترتيبه السادس بين إخوته السبعة،عاش وترعرع في بيت كريم من أكبر وأعرق بيوتات عرش أولاد خالد حسبا ونسبا وثراء ، فأبوه عامر بن دحمان من أغنياء وأعيان العرش ،ذو منزلة وكلمة مسموعة فيه .
تعلم الطفل أحمد القرآن الكريم في بيت والده على يد الشيخ على الشريف أحد شيوخ زاوية طولقة العثمانية ، غير أن ظروف وفاة شقيقه الأكبر “علي” والتحاق شقيقه الآخر السقاي بالخدمة العسكرية الإجبارية رسمت للشاب أحمد مسارا آخر لم يكن في حسبانه، حيث قام والده بتزويجه من أرملة شقيقه وتحميله مسؤولية رعاية وإدارة شؤون الأسرة، وبعد وفاة والده ورث عنه المال والجاه والفروسية والحنكة ورجاحة العقل،ومؤازرة المحتاجين والسعي إلى أعمال الخير وإصلاح ذات البين.
انخرط الشهيد في صفوف أحزاب وتنظيمات الحركة الوطنية التي كانت تنشط على مستوى بن سرور،وكان من أوائل الناشطين في صفوف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ،كما ناضل في صفوف حزب البيان والحرية ، والاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري “U.D.M.A”وعند زيارة وفد الحركة الوطنية برئاسة فرحات عباس إلى بن سرور سنة 1946 كان الشهيد أحمد دحماني في جملة مستقبليه، وظل مواظبا على نشاطه السياسي الوطني ينشر الوعي بين أبنائه وأقاربه وأصدقائه ويدفع اشتراكاته بانتظام حتى بداية قيام الثورة التحريرية المباركة.
حين لاحت بشائر الكفاح المسلح في المنطقة ، وبدأت التحركات الأولى لإعداد المراكز واللجان الشعبية الداعمة للثورة ، وتهيئة الظروف والنفوس لانطلاقها بهذه الناحية ،كان الشهيد أحمد حاضرا ومواكبا ومباركا ومشاركا في تلك التحضيرات، وعند بدء الاتصالات الأولى التي جرت بداية من ربيع 1955 تحضيرا لإشعال الثورة في المنطقة، حين قدم رجال الأوراس مبعوثو الشهيد مصطفى بن بولعيد، وهم: الصادق جغروري ،محمد بن أحمد عبدلي ،وعلي برباش، والحسين بن عبد الباقي ،بمعية الشهيد علي بن المسعود بوصفه من أبناء الجهة العارفين بمسالكها وبتضاريسها ،استقبلهم الشهيد دحماني أحمد بن عامر في بيته “بجبل القنانة “،وتدارس معهم مسألة التحضير لانطلاق الثورة في المنطقة ، وأخذ منهم التعليمات اللازمة وما يجب عليه القيام به ،وقبل ذلك كان قد حضر لقاء تنظيميا بامدوكال مع بعض وجوه المنطقة وأعيانها.
وعندما بدأت النشاطات الأولى للمجاهدين استدعته السلطات الفرنسية رفقة صديقه الشهيد بن دحمان بلقاسم وكلفتهما بحراسة المدينة ليلا والتصدي لتسلل المجاهدين إليها،لكن الشهيدين بدل أن يكونا عينا لفرنسا وعونا لها كانا عينا وعونا عليها، وأصبحا حراسا أمناء للثوار وخداما أوفياء للثورة المباركة يدعمانها ويوفران لها كل أسباب النجاح والاستمرار، وما إن تمكنا من التدريب والحصول على السلاح حتى تركا المهمة والتحقا بالثورة.

لقد كان الشهيد بإيمانه العميق وسلوكه الوطني الصادق يمثل حالة ثورية فريدة وغير مسبوقة ،فقد عزم على اللحاق بركب الثورة منذ الأيام الأولى ، وتاقت نفسه الأبية للجهاد بكل ما يستطيع، لأن الجهاد بالنسبة له واجب مقدس و شرف عظيم تعجز عنه الأماني وتنقطع دونه الآمال ، لكن يبدو أن قيادة الثورة كان لها رأي آخر ربما بسبب كبر سنه نسبيا ، ونظرا لسمعته ومكانته الاجتماعية ،فقد قدّرت أن الحاجة إليه في الوسط المدني أكثر منها في صفوف المجاهدين في الجبال،ولذلك بادر هو بإرسال ابنه عامر يوم 12 سبتمبر1955 إلى الجبل، ويُروى أنه قام أولا بغسله غسل الميت وألبسه ما يشبه الكفن واشترى له بندقية حربية من ماله الخاص وسلمه بنفسه لقيادة الثورة، أما ابنه الأكبر المختار فقد كان وقتها يِؤدي الخدمة العسكرية الإجبارية في الجيش الفرنسي بغرب البلاد فأرسل إليه آمراً إياه أن يأخذ سلاحه ويلتحق فورا بصفوف الثورة وهو ما حدث بالفعل دون إبطاء،فلا حرية ولا كرامة ولا شرف في ظل العبودية ،وعار الاستعمار وذله تغسله الدماء الزكية الطاهرة ،و هو في ذلك يستلهم قول المتنبي القائل :
لا يسلم الشرفُ الرفيعُ من الأذى حتى يراقَ على جوانبه الدمُ
وقد كان الشهيد خلال مساره الثوري يقوم بما يشبه التنسيق بين وحدات جيش التحرير الوطني بالمنطقة ، و بحكم اتصاله الدائم بجيش التحرير فقد حضر الشهيد أحمد وشارك في إعداد كمين للقوات الفرنسية يوم 01 أفريل 1956 في المكان المسمى “طباقة الجيش” على الطريق الرابط بين بن سرور وبوسعادة قُتل فيه أحد أعوان الإدارة الفرنسية ويدعى احمد بن الشريف، وعلى إثر هذه العملية ،وبعد انكشاف أمره لدى السلطات الفرنسية سارع إلى الالتحاق بجيش التحرير بجبل “سواقيد” يوم 01/04/ 1956،واعتُبر هذا التاريخ تاريخا رسميا وفعليا لالتحاقه بجيش التحرير الوطني.
أشرف الشهيد أحمد بن عامر على إنشاء مركز دائم لدعم الثورة في جبل “بوميدق” بالمغنية وكان يسيره المجاهد رويني الطيب بن بايزيد

و قد عُرف الشهيد بين رفاقه بأنه مقاتل شجاع صاحب قوة وبسالة و بأس، فارس مغوار ذو سيف بتار وصاحب تاريخ مكلل بالمجد والفخار ،و من المعارك والكمائن التي خاضها أو شارك فيها جنبا إلى جنب مع عناصر جيش التحرير الوطني ومنهم بعض أبنائه نذكر ما يلي:
* معركة العروسين في جبال العمور سنة 1956 بقيادة سي الحواس.
*.الهجوم على مركز عين غراب بقيادة شعبان لاصيان سنة 1956.
*.معركة الزرقة بقيادة عامر بن الحاج صالح.في 05فيفري 1957
*.معركة الزعفرانية الأولى “معركة المقر” في 31 ديسمبر 1957.
*.كمين بوادي دبابة بناحية الجب بقيادة علي بن المسعود في خريف 1956 واستشهد فيها الشهيد لخضر عباس (مدوكال). 
*.كمين بناحية الشعيبة بقيادة ابنه عامر صيف 1956.
*.كمين بمنطقة ” عين العنقة أو طباقة الجيش” في01 أفريل 1956.
استشهـــاده:
قادته الأقدار والأجل المحتوم إلى زيارة ابنه علي القاطن بالمكان المسمى “ضلعة العش” مع بعض رفاقه ، وعلى إثر وشاية من أحد العملاء الخونة حاصرت القوات الفرنسية المكان وتم إخراجه من المخبأ الذي كان داخل خيمة مع رفاقه و هم : بن لقريشي محمد عريف سياسي من” وادي الشعير”، أُخذ حيا إلى مركز وادي الشعير ،وتم إعدامه في اليوم الموالي ، محمد التلي عريف عسكري من عرش المخاليف،وتم إعدامه في عين المكان، وبن دحمان بلقاسم “من بن سرور”وكان يسكن قريبا منه أخذوه من بيته وأعدموه في المكان ذاته. وفور خروج الشهيد أحمد من المخبأ ولمح الخونة بصق عليهم فأمره القائد أن يجثو على ركبتيه حتى يحكم وثاقه فرفض ذلك وقرر أن يموت واقفا شامخا لأنه يدرك معنى أخذه حيا وماذا ينتظره في مركز الاعتقال من تحقيق وتعذيب ، فبادر الضابط بإطلاق النار عليه وارتقى البطل شهيدا إلى رحاب الله يوم الأحد 18 فيفري 1962 الموافق ل: 12 رمضان 1381 هجرية قبيل حوالي شهر من وقف القتال فكان دحماني أحمد بن الحاج عامر بذلك آخر شهيد عسكري بالقسمة 52 ،بعد أن دخل سفر التاريخ كأول من التحق بها في هذه الجهة وآخر من استشهد في ساحتها،المجد والسؤدد والفخار للشهداء الأبرار، واللعنة والخزي والعار على الخونــة الأشــــرار.
إن الشهيد لحي عند خالقه ** وإنما الميت حقا خائن الوطن
ملاحظــة: تستنــد هذه الترجمة لمراجع موثّقــة وشهادات موثوقة.. عبد الحميد عباسي