الرئيسية 8 حقيبة بوسعادة السعيدة 8 بوسعادة السعيدة 8 بوسعادة مدينة جزائرية أضاءت حياة المستشرقين

بوسعادة مدينة جزائرية أضاءت حياة المستشرقين

لم يكن الفنان التشكيلي الفرنسي إيتيان دينيه، المتحدر من عائلة برجوازية، يدرك أن زيارته إلى مدينة بوسعادة التي تبعد 242 كيلومتراً عن العاصمة الجزائرية ستغير مجرى حياته، عكس ما أرادت عائلته.

خالف دينيه المولود سنة 1861 بباريس مسار عائلته المولعة بدراسة القانون، فوالده كان قاضياً ووالدته ابنة محام، بينما اختار أن يكون ذلك الرسام المولع بمعانقة الألوان واللوحات، فانبرى لتصوير الحياة اليومية بحس إبداعي صقلته بلدة في الجنوب الجزائري.

شكلت بوسعادة نقطة تحول بالنسبة إلى دينيه، حين زارها عام 1884 ضمن جولة إلى الصحراء الجزائرية، قادته إلى مدن منها الأغواط وبسكرة وبوسعادة، التي وجد نفسه عاشقاً لها، فعاد لزيارتها بعد أقل من سنة، مقرراً الاستقرار بها والانخراط في المجتمع “البوسعادي”.

تقول المراجع التاريخية إن دينيه عاش مغامرة مثيرة بدأت فصولها في العاصمة الفرنسية باريس وانتهت بواحة صغيرة جنوب الجزائر، فتنته فراح يرسمها بكل حب بلوحات فنية، ببهاء الألوان الخاطفة بسحرها.

تغيير الأفكار والمعتقدات

الفنان التشكيلي الفرنسي لم يتأثر بسحر مدينة بوسعادة فحسب، وإنما حركت دوافعه الروحية وغيرت عالمه الداخلي ومعتقداته، فاختار الإسلام ديناً بعد دراسته، وعندما اقتنع بما فيه من تعاليم أعلن إسلامه أمام الناس سنة 1913، واختار اسم نصر الدين واحتفظ بلقبه العائلي دينيه.

هذه الرابطة القوية، التي جمعت دينيه والبوسعاديين، جاءت بعد أن عاشر سكان المدينة وأكل من صحنهم ولامس عاداتهم وتقاليدهم وأعجب بأخلاقهم وأصالتهم وانصهر في تعاملاتهم السمحة، التي جاء بها الدين الإسلامي، وتعلم العربية واكتشف بساطة حياة القبائل وتميزها بالكرم والحكمة والشجاعة والنبل والفروسية.

وكانت صور المعارك والفرسان وحفلات الأعراس والمشاهد النوعية الطبيعية والوصف الدقيق للحياة أهم الموضوعات التي استهوته بالتعبير عنها بنهج واقعي، بشكل أعطى لأعماله طابعاً خاصاً ونكهة مميزة.

وتذكر المصادر أن هذا المسار، الذي اختاره دينيه ورحلته الجديدة مع الدين الإسلامي، لم ترق إلى المثقفين المستشرقين وحتى المعمرين الفرنسيين، على اعتبار أن فترة إقامته في مدينة بوسعادة كانت حقبة احتلال فرنسي للجزائر (1830-1962)، فتم تهميشه كفنان ونبذه من الحركة التشكيلية الباريسية.

دينيه لم يعبأ بما كان يقال هنا من طرف المعمرين الفرنسيين ولا هناك من قبل المثقفين الباريسيين، وتوج حياته بزيارة إلى مكة وزيارة الكعبة لأداء فريضة الحج مع صديقه ومرشده سليمان بن إبراهيم، الذي رافقه إلى رحلته الإيمانية عام 1929.

وبعد العودة من الحج توفي في مرسيليا ونقل جثمانه إلى “جنة الله في أرضه”، كما كان يحلو له أن يسمي بوسعادة، وفي الثلاثينيات من القرن الماضي أنشأ في بوسعادة متحف نصر الدين دينيه، الذي لا يزال موجوداً ويعد من أكبر المتاحف.

هوية حضارية

دينيه هو واحد ممن سحرته مدينة بوسعادة، أو السعادة كما تلقب، إذ لا تزال المقصد الأول لمن يبحث عن تنفس الحياة ورؤيتها من زاوية أخرى، إذ حافظت المدينة الصحراوية على هويتها الثقافية وأبت الانسلاخ، فهي تتكامل في الخصائص المعمارية، وتعكس شواهدها ماضيها الثري. فالقلعة والسور والسوق التقليدية والجوامع الأثرية ومدارس القرآن الكريم أكثر ما يميزها، مع تاريخ زاخر يمتد إلى سبعة قرون، وهو تاريخ وضع أول نواة في المدينة (مسجد النخلة).

الزائر إلى بوسعادة يشده الجبل العتيق كردادة الذي يعتلي المدينة وكأنه يرحب بزواره، وبمجرد التوغل في أحيائها ومسالكها تسحرك تلك السكينة والطمأنينة المنتشرة بين الأزقة، وكأنها مدينة لا تنتمي إلى هذا العالم المتسارع المليء بالضوضاء، إنه هدوء الصحراء.

تتزين طرقات المدينة بأشجار الصفصاف المترامية على جنباتها، ويشدك خصوصية طابعها المعماري الأصيل والمميز، فحاراتها ذات اللون البني والأصفر لم تشيد سوى بالطوب والعرعار والخشب منذ قرون وما زالت تكافح الزمن، وهو العمران الذي يجسد الروح الإسلامية والطراز الهندسي الفاخر كما هي حال المسجد العتيق.

وما يزيد في إبهار السياح المناظر الأخاذة كبساتين النخيل الكثيفة والنباتات المترامية على ضفتي الوادي الرقراق، مشكلة بذلك فسيفساء لوحة فنية تشكيلية مفتوحة على الطبيعة الصحراوية الشاسعة.

سحر بوسعادة شجع مخرجين عالميين على القدوم إلى المدينة الهادئة لتصوير أعمالهم، على غرار “بائع العبيد” للمخرج الإيطالي الشهير أنطوني داوسون، إضافة إلى أفلام جزائرية مشهورة لا تزال تحظى بالشعبية مثل “وقائع سنوات الجمر”، للمخرج محمد الأخضر حمينة، و”عطلة المفتش الطاهر” للمخرج موسى حداد.

إيمان عويمر صحافية

%d مدونون معجبون بهذه: