في رحاب الذاكرة الوطنية، تبقى سِيَر الشهداء منارات تُضيء دروب الأجيال، وتجسّد أسمى معاني التضحية والوفاء للوطن، حيث امتزج فيها نور العلم بروح الجهاد، فصنعت رجالًا صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وخلّدوا أسماءهم في سجل التاريخ بمداد من الفخر والاعتزاز.
بوسعادة – في أجواء مفعمة بروح الوفاء للذاكرة الوطنية،
احتضنت المدرسة الابتدائية سيدي ثامر ببوسعادة ندوة تاريخية مميزة إحياءً لذكرى الشهيد المثقف قويدر بن بوعزة الطيبي، وذلك بمناسبة إحياء يوم العلم، بحضور نخبة من مثقفي وإطارات المدينة، وعدد من مدراء المؤسسات التابعة للمقاطعة الإدارية بوسعادة، إلى جانب أساتذة باحثين، ومدير المؤسسة، وأفراد من أسرة الشهيد الذين ساهموا في إعداد وطباعة سيرته وزعت على التلاميذ.
واستُهلت فعاليات الندوة بتلاوة آيات بينات من القرآن الكريم، تلاها الاستماع إلى النشيد الوطني، في مشهد جسّد عمق الارتباط بالهوية الوطنية وقيمها الراسخة، لتتواصل بعدها المداخلات التي أعادت رسم ملامح مرحلة مفصلية من تاريخ المنطقة والوطن.
وفي هذا السياق، قدّم الباحث سعيد النعمي مداخلة تناول فيها تاريخ مدرسة سيدي ثامر، مبرزًا دورها في تكوين أجيال من الرجال الذين ساهموا في الكفاح الوطني، ومستحضرًا مسارات من مرّوا عبر مدرسة شالون سابقًا وسيدي ثامر حاليًا، باعتبارها فضاءً للتربية والعلم وصناعة الوعي.
كما ألقى الإمام عز الدين كلمة مؤثرة لامست وجدان الحاضرين، تطرق فيها إلى مرحلة دخول الاستعمار ومواجهة المقاومة له، مبرزًا دور العلم في بناء النخب التي قادت مسار التحرر، ومؤكدًا على ضرورة الحفاظ على مكتسبات الشهداء والسير على نهجهم، ليختم كلمته بنداء وطني صادق: تحيا الجزائر.
ومن جانبه، قدّم الشيخ والباحث محمد حرزلي مداخلة استحضر فيها مقتطفات من الثورة الجزائرية، مستندًا إلى أقوال وسير الصالحين، ومبرزًا سيرة الشهيد قويدر بن بوعزة الطيبي إلى جانب عدد من رجالات بوسعادة الذين كان لهم أثر بارز في مسيرة الكفاح الوطني.
وفي كلمة مؤثرة، استعرض أحد أفراد عائلة الشهيد مسيرته العلمية والنضالية، مبرزًا ارتباطه بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، حيث تلقى تعليمه في مسجد بلحطاب، قبل أن يلتحق بصفوف جيش التحرير في سن التاسعة عشرة، في مسار يجمع بين طلب العلم والجهاد في سبيل الوطن.
كما شهدت الندوة تدخلات وشهادات أخرى لكل من محمد علواني ومحمد بن حوحو، أجمعوا فيها على المكانة التي يحتلها الشهيد في ذاكرة بوسعادة، وعلى أهمية نقل سيرته للأجيال الصاعدة.
وتخللت النشاط فقرات إنشادية من أداء تلاميذ المدرسة، إلى جانب افتتاحية مميزة قدمتها فتيات المؤسسة، في صورة تعكس الجهود المبذولة لترسيخ الوعي التاريخي لدى الناشئة وربطهم بقيم الثورة والتحرر.
وتُعرف مدرسة سيدي ثامر بتنظيمها المتواصل لنشاطات تاريخية هادفة، كما تحتفظ بأرشيف مهم لرجالات بوسعادة، من بينهم الرئيس الراحل محمد بوضياف رحمه الله، إضافة إلى احتضانها مرافق تاريخية تعود لفترة الاستعمار، من بينها نفق وزنزانات كانت تُستعمل كمركز تعذيب.
وقد نُظم هذا النشاط من طرف جمعية أول نوفمبر 1954 ومتحف العقيدين، بالتنسيق مع مدرسة سيدي ثامر وجمعية بوسعادة الكبرى، في مبادرة تؤكد أن بوسعادة تظل وفية لذاكرتها، مستحضرة مآثر رجال صنعوا الثورة، وجعلوا من العلم والجهاد طريقًا نحو الحرية والاستقلال.
أحمد بن قطاف
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
