أحدث الأخبار
عاجل

الفنان التشكيلي توفيق لبصير…شاهد على ذاكرة المدينة

+ = -

مثل كل طائر حر، يرفض القيد والقفص..
.
على مدى ثماني سنوات بين معهد الفنون الجميلة و بين الاتحاد السوفياتي ، وبين الفنون التشكيلية و الرسوم المتحركة، امتدت ابهى سنوات عمر الفنان الكبير توفيق لبصير ..

عاد إلى أرض الوطن ، محملا بالكثير من الأحلام و الطموحات ، هو الذي أدرك وانتبه إلى أن الفنان خلق ليكون حرا من كل قيد ، فالتزامه الوحيد هو فنه و ابداعه .
توفيق الذي تربى في حواري بوسعادة العتيقة، تآلف مع الطبيعة بشكل عجيب، فسكب روحه و أحاسيسه في لوحات تغلغلت في أزقة المدينة وبيوتها و واديها ..

ولأنه ابن البسطاء ، فقد انحاز اليهم ، انحاز الى الدراويش ، فكانت لوحاته مخلدة لمعظم دراويش المدينة ممن شكلوا يوميات المدينة و امتزجوا بالناس، وخلدوا أنفسهم في الذاكرة الجماعية للمجتمع البوسعادة ..

وتأكيدا لانحيازه للبسطاء ، أخرج سلسلة من الرسوم المتحركة بعنوان (حرداقة ) ، حرداقة امير صعاليك و دراويش بوسعادة الذي لا يمكن لأهل المدينة أن ينسوه ، فما بالك بفنان قدير يملك احساسا مرهفا بالتفاصيل ..

وتجسيدا لقناعاته و انتمائه لمجتمعه، فضل أن يضع خبرته و تجربته في خدمة أطفال مدينته ، فكون افواجا عديدة في مجال الفنون التشكيلية و الرسوم المتحركة .
فنان محترف ، مبدع ، لو أنه في بلد آخر، في بلد حيث مستوى الوعي الثقافي و الفني مرتفعا، ربما كان جسد أحلامه و خبرته في أعمال ضخمة ، ولربما كانت مؤسسات المعارض و مؤسسات الانتاج تتهافت عليه ، وتعرض عليه تمويل أعماله و نشاطاته ..
لكن في بلادي ، حيث العاصمة هي المركز، لا يجد أبناء الهامش وأبناء الجزائر العميقة طريقهم إلى النور، ولا ذات الفرص التي تمنح لسكان العواصم، بما فيهم أولئك الأقل شأنا و الاقل كفاءة ..

وفي بلادي ، مازال القطاع الخاص بعيدا كل البعد عن الالتفات الى الفن ووعي أهميته الحضارية والاجتماعية ..

وفي بلادي ، قدر الفنان أن يمضي جل عمره في الكفاح وفي إثبات ذاته ، لننتبه اليه فقط بعد أن يرحل، لنتباكى عليه و ندبج فيه المراثي و القصائد ..

توفيق لبضير ، نور بوسعادة و مصباحها، فالتفتوا الى مصدر النور ، وانهلوا من معين الجمال الذي يملأ قلبه ..ومن نظرته الثاقبة ، والتزامه العجيب .

توفيق الذي واصل دراسته زمن الاتحاد السوفييتي ، و تخصص في الرسوم المتحركة ، عاد من هناك متمكنا من حرفته ، من هذا التخصص النادر في بلادنا آنذاك .
.
كان يمكن أن يصبح لوحده مدرسة تتخرج منها أجيال في هذا الفن القريب من الصغار والكبار، والذي يمكن من خلاله إيصال الرسائل التربوية ، بروح ومحتوى جزائريين ، بدلا من استيراد أشرطة انتجت لأطفال و لمجتمعات أخرى .
.
وكان يمكن للتلفزيون الجزائري أن يحتضنه ، وأن يشكل تعاونهما نواة لإنتاج جزائري خالص في مجال الرسوم المتحركة .
.
لكن ذلك لم يحدث ، غير أن روح الابداع لم تتوقف ، فقد قدم عشرات الحلقات من الرسوم المتحركة ، تحمل رسائل هادفة ، من بينها الحلقة المرفقة مع هذا المنشور ، والتي تعالج مشكل البيئة والمحيط . ولامبالاة الانسان في تعامله مع القمامة ..
.
توفيق لبصير ، مثال من عشرات الأمثلة ، لبلد و مجتمع لا وجود فيه لمبدأ تكافؤ الفرص، ولا لتقدير الإبداع كإبداع ، بلد تظلمُ فيه الجغرافيا ، ويظلم فيه المسؤول ، وتضيع فيه المواهب ، وتقهر فيه الطاقات ..ويسند فيه الأمر لغير أهله ..
.
شاهدوا حلقة الرسوم المتحركة حول البيئة ، لتعرفوا أن الإبداع مهما كان عظيما، يبقى في بلادي بلا أجنحة تحلق به بعيدا ، و أن الحصول عليها كحق طبيعي ليس سهلا …بل هو بعيد المنال .
.
والله المستعااان .

 

عبد الكريم البوسعادى
.

الوسم


التعليقات مغلقة.
اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

انضم مع 7٬683 مشترك

مواقع صديقة .. أمل بوسعادة
جديد موقعنا
موقع الشبكة نت
%d مدونون معجبون بهذه: