الرئيسية 8 حقيبة بوسعادة السعيدة 8 بوسعادة السعيدة 8 أسطرٌ من الواقع البوسعادي فترة الحرب العالمية الثانية:

أسطرٌ من الواقع البوسعادي فترة الحرب العالمية الثانية:

استقر الباحث (مصطفى لشرف) ببلدة بوسعادة فترة الحرب العالمية الثانية، بداية من سنة 1942م، فوجد فيها ما تصبو إليه نفس المفكر والباحث، من الارتياح، والمناظر الخلابة، وما انطبع عليه أهلها من أخلاق حميدة، وتسامح ودّي، والفترة التي خالط فيها أهالي بوسعادة كانت عصيبة على سكانها وحبلى بأحداث أليمة، وخاصة بواديها التي عانت من قسوة الحياة، وشغف العيش، بسبب نتائج الحرب العالمية الثانية وآثارها الوخيمة التي مدّت ظلَالها على المنطقة، فانتشرت الحمّى الصّفراء والمجاعة، بسبب حجز المنتجات من طرف الألمان، وضربت الأوبئة والأوجاع معظم البوادي، وحسب شهادته فإنّه رأى بأمّ عينه الكثير من الموتى ملفوفين في أكفانهم ومحمولين على ظهور الجمال المتوجهة إلى زاوية الهامل، وينقل عن أحد القيّمين على مسجد قديم ببوسعادة، كيف أنه يستيقظ لصلاة الفجر،« ليجد أحيانا ميّتا مكفّنا في نعشه، تنبعث منه رائحة الكافور، وُضع هناك، من طرف شخص مجهول، لتتولى الجماعة واجب الصلاة عليه ودفنه» .
هذه الصورة المعبرة عن مآسي الأهالي فترة الحرب العالمية ظلت عالقة في ذهن مصطفى لشرف، وبالرغم من شدّة قتامة المشهد الذي قصّه في كتابه «أعلام ومعالم»، فإنه قدّم مشهدا آخر عن النشاط المكتبي في البلدة، فقد أقرّ أنّ البلدة منحته فرصة اكتشاف الكثير من التراث والمؤلفات القديمة، فتكلّم عن الشيخ ( العيد) الرّجل البسيط الذي جَمع مهنة الحلاقة مع وظيفة أخرى تبدو مناقضة لها، وهي بيع الكتب القديمة، اقتنى منه بعض المؤلفات النادرة، ككتاب ( الاختيار من شعر بشار)، وهو سفر عزيزُ الوجود، ضم منتخبات من شعر برد في القرن الأول العباسي، ووجود هذا الكتاب النّادر في هذه البيئة النّائية حمله على التساؤل: كيف انتهى الكتاب إلى غاية تلك الواحة الصغيرة ؟ ولا غرابة في الأمر فالمنطقة عموما عُرفت بمستواها الثقافي، وبنخبها العلمية المتميّزة، وفَسّر الأمر بأنّه نوع من المقاومة الثقافية، كما اشترى منه صحيح الترمذي، وكتاب ( الظرف والظرفاء)، لأبي الطيب محمد بن إسحاق بن يحي الوشاء، وهو كتاب غنيٌّ بطرحه الأدبي الأصيل على نهج كتاب الأغاني ومؤلّفات الجاحظ، وقد ترجم (مصطفى لشرف) فصولا منه إلى الفرنسية.
سجل لشرف ملاحظاته عن الحياة الثقافية ببوسعادة في مرحلة حرجة يصعب أن يهتمّ الإنسان فيها بالمعرفة، بقدر اهتمامه بإنقاذ نفسه من المجاعة التي تحدق به، كتب هذه المعلومات تحت عنوان ( بوسعادة 1942/1943 وكتب أخرى)، وفي ضمنها حديث عن المستوى السلوكي السّائد في مجتمعنا حقبة الحرب العالمية الثانية، جاء فيه: « وجدتُ الوسط البوسعادي التقليدي الذي عاشرته وقتها، غنيا برجال كانوا يتمتعون بشخصية قوية، تغذوا بنصيب محترم من التراث العربي الكلاسيكي أو من معين العهود الزاهرة، ناس مرتاحون، مؤمنون دون حماس أو تزمت، متفتحون في نفس الوقت على القيم القديمة وعلى المكتسبات الجديدة، يتحدثون بصراحة متأصلة، ونزّاعون إلى النكتة الذّكية…ثم يقول بعد اسطر: لقد وُجد ببوسعادة ما وجد في القرون الوسطى الإسلامية بالبصرة، المدينة التي كانت تنافس بغداد من حيث النوعية البشرية، أي وجد فيها ما عرف عن الشعب الجزائري من ارتياح باد في السلوك، لكنه حميمي، خال من كلّ تصنع، تجسده عقيدة مكنونة في الصدور، وعلاقات بشرية ودية… ثم يقول بعد ذلك:..من طرف ناس ينتمون إلى عائلات متمدّنة منذ عهود بعيدة، غير أنهم لم يقطعوا أبدا الأواصر التي كانت تشد وصالهم بأعماق البلد، ولا نسوا تلك الجوانب الحساسة التي ميزت جزائر العهود القديمة» .

الاستاذ بسكر محمد

About Author

اضف رد

%d مدونون معجبون بهذه: