الرئيسية 8 حقيبة بوسعادة السعيدة 8 بوسعادة السعيدة 8 مَصيرُ مكتبة المستشرق ألفونس إتيان دينيه.

مَصيرُ مكتبة المستشرق ألفونس إتيان دينيه.

مَصيرُ مكتبة المستشرق ألفونس إتيان دينيه.
الكَاتبُ الوحيد الذي أشار إلى هذه المكتبة هو الدكتور مصطفى لشرف في مؤلفه ( أعلام ومعالم، مآثر عن جزائر منسية)، المشتمل على مقاطع من ذكرياته الشخصية، أَبدى فيه نوعا من التحقيقات الثقافية والإنسانية، وعالج اختلاف الذهنيات الاجتماعية التي خالطها. وما يلفت نظرنا في كتابه الصفحات التي خصّها للحديث عن بوسعادة، والتي صاغها بعفوية وتَدفق في أزيد من أربعين صفحة، وإن كانت دراسته في هذه الورقات تنصبُ حول تتبع التراث العربي والتعريف بشخصية الرّسام إتيان دينيه، فالقارئ لها يستخلص منها ما كانت تختزنه البلدة من إرث ثقافي موغل في القِدَم، وإذا كانت بوسعادة استهوت الفنّانين بنقاء جمالها، وبساطة أهلها، فإنّها كانت مصدر إلهام للكثير من الكتّاب، وخاصّة دينيه الذي ألّف فيها أهمّ أعماله، وهذا المزج بين جمال البيئة وحسن الطّبع، هو نفسه الذي أغرى الباحث (مصطفى لشرف) للإقامة فيها سنة 1942م، وَلِتبقى ذِكرَاها تراود خلده، فيكتب عنها في مذكراته بعد أن تجاوز السبعين، ولم يَبْنِ الحديث فيها على سرد مآثر دينيه، وإنما عرّج على صاحبه ورفيق دربه (سليمان بن إبراهيم بن باعمر)، فتحدّث عنه بإسهاب، لأنّه لقيه ما بين سنة 1942 و1943، وعرفه عن قرب، فوصفه بأنّه صاحب قامة طويلة، وبنية قوية، يحب الأبهة ويحرص على أناقة مظهره، ويعطي اهتماما كبيرا للباسه التقليدي، وهو محدود الثقافة، ويتمتع بشعبية كبيرة في الوسط البوسعادي، والأسطر التي خطّها قلمه هي الكتابة الوحيدة المتاحة حول شخصية سليمان بن إبراهيم التي صاحبت الرسّام إتيان دينيه قرابة الأربعين سنة، وكانت سببا في حبّه لعشرة العرب واعتناقه للإسلام، فلا نعرفه إلّا من خلال لوحته الزّيتية التي رسمها له دينيه، وكونه ينحدر من عائلة ميزابية استقرّت بالبلدة منذ عهد بعيد.
التقى الدكتور أشرف السّيد سليمان في فترة عصيبة، وهي حقبة الحرب العالمية الثانية، التي ألقت بمشاكلها وآثارها السّيئة حتى على المناطق البعيدة عن مواقع الصراع، فأصابت النّاس المسغبة، والأمراض الفاتكة، والكساد التجاري، وكان معاش سليمان يعتمد في الأساس على السّياحة، فهو يشتغل عرَّافًا بالمواقع السّياحية داخل البلدة والمناطق المحايدة لها، وفي هذه المرحلة انخفض عدد السّواح فأثّر ذلك على دخله وحياته الاجتماعية.
ظهر اسم سليمان بن إبراهيم على أغلفة تسعة كتب من مؤلفات دينيه، مما يوحي لغير المطلع أنّه شاركه في تأليفها، مع العلم أنّ سليمان رجل أُمّيٌّ لا يحسن القراءة والكتابة، وإنّما تميّز بثقافة شعبية، ومعرفة جيدة بالمنطقة التي عاش فيها، لكنّ المرحوم دينيه، وكنوع من المجاملة وردّ جميل الصّحبة، أراد أن يخلد أيضا اسمه معه في معظم مؤلفاته، وأن يكون جاره حتى في مدفنه، وقد وَهَمَ الأستاذ الحاج سعيد في كتابه تاريخ بني ميزاب (ص162)، عندما ترجم للسّيد سليمان، ووصفه بأنّه رجل أدب وشعر، مثقف باللّغتين العربية والفرنسية، وأنّه خريج المدارس الفرنسية والإسلامية، وذكر له عناوين الكتب التي اقترن اسمه فيها مع دينيه، وقال بأنّه اشترك في تأليفها معه، وتبعه في ذلك مؤلّفو معجم أعلام الإباضية (2/196)، ولا ندري مصدر معلوماته، وما ذكره لا يزيد عن الحياكة الأدبية، وينقضه ما ذكره مصطفى لشرف، لأنّه خالطه وانكشف له مستواه الثقافي، ونحن عندما نشير إلى ذلك، فإنّنا لانحطّ من قدر الرجل وقيمته، فهو صاحب فضل لا يُنكر، وإنّما هذه حقيقة تاريخية لا ينبغي التَعمية عليها.
لم يكتف إتيان دينيه بِلزِّ اسم صديقه مع اسمه في مؤلفاته، وإنّما أورثه أيضا حقوق التأليف والنشر، كما آلت إليه بعض ممتلكاته كداره بحي الموامين، والجنان الذي به مرسمه على حافة الوادي، لكن أهمّ شيء حازه هو مكتبة إتيان دينيه، المليئة بنفائس الكتب باللّغتين العربية والفرنسية، وفي الواقع لا نعرف حجم هذه المكتبة، ولا توجد تفاصيل توضح لنا أنواع المصنفات الموجودة بها، ولكن عدم تقديره للقيمة الثقافية لها، إضافة إلى الظروف المزرية التي وقع فيها، جعلته يعرضها للبيع، وحسب رأي (لشرف) فإنّه بدّدها دون مراعاة أو اعتبار، فكان من حظّه أن أدرك بعضها فاشتري مجموعة هائلة بلغت الثلاثين مجلدا، أنفق فيها مدّخراته، ومعظم الكتب التي أصبحت من ممتلكاته على هامشها تقريرات وتعليقات بخط ناصر الدّين دينيه، وخاصة ما يتعلق بالدفاع عن الإسلام وردّ أراجيف المستشرقين، لم يعطنا قائمة مفصّلة لما حازه من مؤلفات، وإنما ساق نماذجَ منها مُبينا أهميتها ، وحسب دراسته التي قدّمها تحت عنوان (كُتبٌ تمّ انتشالها من غمرة الطّوفان)، فإنّ ما وقعت يده عليه، هُو من النّوادر .

الاستاذ محمد بسكر

About Author

اضف رد

%d مدونون معجبون بهذه: