أخبار عاجلة
الرئيسية 8 حقيبة بوسعادة السعيدة 8 شخصيات من بلادي 8 الشهيد سي محمد بن لخضر عباسي .. العالم المصلح والسياسي المجاهد .

الشهيد سي محمد بن لخضر عباسي .. العالم المصلح والسياسي المجاهد .

من شهــداء بوسعــادة الكبــرى..
الشهيـــد سي محمد بن لخضر عباسي .. العالم المصلح ، والسياسي المجاهد .
-من مصادفات القدر أن كان ميلاد الشهيد واستشهاده بمكان غير بعيد عن جبل الزعفرانية مقر قيادة جيش التحرير الوطني حيث ولد سنة 1911.لكن والده توفي قبل بلوغه سن الخامسة، فانتقلت رعاية الصبي محمد إلى شقيقه الأكبر موسى ،الذي لم يدخر جهدا في سبيل تربيته ورعايته وإسعاده، وما إن رأى من علامات النباهة والنجابة والذكاء عند شقيقه الأصغر حتى آل على نفسه أن يتكفل به، ويعتني بتربيته ،ويمكنه من مزاولة الدراسة والتعلّم ،عسى أن يكون له شأن في القادم من أيامه ، وهكذا خطا به خطوته الأولى على درب العلم والمعرفة، بأن توجه به نحو الكتاتيب القريبة لينال قسطا من القرآن الكريم وحفظ بعض المتون،ولم يلبث أن خطا به شقيقه موســـى الخطوة الثانية على المسار ذاته، فتوجه به شطر مدرسة الشيخ على بن عمر بطولقة (الزاوية العثمانية حاليا) ،جريًا على عادة المحظوظين والميسورين من أبناء ذلك الزمان، فمكث بها مدة أتاحت له حفظ القرآن الكريم ،فنهل من فيض علمها وبحر معارفها ،ودرس فيها التفسير والحديث النبوي الشريف والفقه واللغة والأدب والحساب، على أيدي خِيرة شيوخها الأجلاء ،وعلمائها النجباء، وفيها تعرّف على أحد أبرز أساتذتها، وهو الشيخ عبد الحفيظ جلاب ،العالم المصلح النحرير، شهيد ثورة التحرير الذي أثر فيه أيما تأثير،وربما تكون انتقلت إليه فكرة اعتناقه للفكر التنويري الباديسي الإصلاحي عن طريق هذا الرجل،وقد شكّل تحصيله العلمي من هذه الزاوية زادا معرفيا مهما شجعه على العودة إلى بلدته ومسقط رأسه “بن سرور” التي استقر بها نهائيا فور عودته من رحلة الدراسة ،وجعلها مركزا لانطلاق عمله التربوي والإصلاحي الذي كان هدفه الأسمى ،ورسالته المُثلى في الحياة.
– ساهم الشهيد مع إخوانه ورفاقه بمنطقة بوسعادة في جهود النهضة والإصلاح عبر مشاركته المنتظمة في الندوات والمجالس التي كانت تعمل على توحيد الجزائريين، وشحذ هممهم لمقارعة عدوهم الأول الجاثم على صدورهم قبل أرضهم، وكان الشهيد شديد الالتزام والمواظبة على حضور المنتديات والملتقيات السياسية والتربوية والإصلاحية التي كانت تعقدها الجمعية في أنحاء مختلفة من البلاد، من بينها مثلا حضور لقاءات وندوات “نادي الترقي” بالعاصمة، ومشاركته في افتتاح دار الحديث بتلمسان سنة 1937 ، وحرصه على الحضور والمشاركة في توديع الشيخ البشير الإبراهيمي يوم قرر السفر إلى المشرق العربي سنة 1952.
-مع مطلع العام 1946 ،أخذ الشهيد سي محمد عباسي يعمق نضاله الوطني ، وأضحت له نشاطات ومساهمات واضحة ضمن أحزاب الحركة الوطنية الناشطة في الساحة آنذاك،عبر صحفها ومنتدياتها ، خصوصا “حزب الشعب الجزائري”(PPA PARTI DU PEUPLE ALGERIEN. ، و”حزب أحباب البيان والحرية” AMIS DU MANIFESTE ET DE LA LIBERTE A.M L ، و “حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري” (U .D.M.A UNION DEMOCRATIQUE DU MANIFESTE ALGERIEN) ،
وكانت مدينة بوسعادة في هذه الفترة تمثل ملتقى للمناضلين من أجل القضية الوطنية ، وعندما قرر بعض زعماء أحزاب الحركة الوطنية القيام بزيارة إلى منطقة بوسعادة سنة 1946 ،برئاسة فرحات عباس، الذي كان مرفوقا بثلة من كبار القادة السياسيين من بينهم على الخصوص : محمد بوضياف ، الدكتور أحمد فرنسيس ،عبد القادر الأغواطي ،علي بومنجل، بمناسبة حملة التحضير والتوعية للانتخابات البرلمانية المقررة في تلك السنة، كان الشهيد ضمن مستقبلي هذا الوقد ، وكانت مدينة بن سرور إحدى محطات زيارة الوفد ،فاستقبلوا بالمدينة استقبالا شعبيا حافلا بالخطب والأناشيد الوطنية الحماسية، و أعد لهم سكان المدينة ما يليق بهم من حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة، وقد اتخذ الوفد من بيت الشهيد سي محمد عباسي مقرا للإقامة والضيافة ومكانا للاجتماع، وأصبح هذا البيت شاهدا على رمزية هذا الحدث التاريخي الكبير، وأهميته وتأثيره في تاريخ هذه المنطقة بعد ذلك.
-وفي ظل أجواء التوتر العاصفة التي كانت قائمة بينه وبين الإدارة الاستعمارية، باتت حياة الشهيد وممتلكاته هدفا للفرنسيين، فعمدوا إلى حرق متجره ،ومصادرة مكتبته وأشيائه وممتلكاته ،ولم يبق من آثاره ومتعلقاته أي شيء، باستثناء صورة شمسية له عُثر عليها بعد الاستقلال الوطني مع بعض أصدقائه ،وقد كَتب على ظهر الصورة بخط يده بيتين من الشعر تمثلهما من شعر المنفلوطي ، وكأنه كان يتوقّع قرب نهايته ، والبيتان هما:
أيها الناظـرون هذا خـيالي *** فيه رمـزٌ بالاعتـبارِ جديـُـــر
لا تظنوا الحياة تبقـى طويـلا *** هكـذا الجسم بعد حين يصـير
ووفقا لما تقدم ،فإن الشهيد رحمة الله عليه كان حاضرا ومواكبا للتحركات والاتصالات الأولى منذ مطلع 1955 تحضيرا لإشعال الثورة الفعلي في المنطقة، فحضر الاجتماع التنظيمي الأول المنعقد بناحية امدوكال رفقة مجموعة من رجال المنطقة وتابع بدقة وعن كثب اللقاءات الفردية التي جرت بعد ذلك بوقت قليل بين موفدي قائد الأوراس الشهيد مصطفى بن بولعيد وهم: الحسين بن عبد الباقي ،محمد بن أحمد عبدلي ،الصاق جغروري.
لقد تعلقت همة الشهيد عباسي بالدفاع عن وطنه منذ تفتحت عيناه على الواقع المرير الذي فرضه الاستعمار البغيض على وطنه وشعبه،وعندما دقت ساعة المنازلة ،و أزفت لحظة الخلاص ، قرر الالتحاق بركب الثورة المجيدة ،وبارك انطلاقتها المباركة منذ بيانها الأول مسترشدا برصيده النضالي الطويل في العمل السياسي الوطني.. جاء في كتاب “القضاء إبان الثورة التحريرية ” للدكتور ع.خالدي ص: 180 🙁 ..”ومن قضاة المنطقة الثالثة للولاية السادسة التاريخية الشيخ عباسي محمد بن الأخضر ،الذي كانت له فاعلية وتأثير في الوسط الاجتماعي لما يمتاز به من صفات علمية وثقافية ،وقمة في الوطنية ومجابهة المستعمر الفرنسي…وبعد اندلاع الثورة ساهم في بث الأفكار وتكوين اللجان والخلايا ،والتطوع لصالح الثورة التحريرية، فكان القاضي والمحرض والمجابه.).
-وقد تعرض الشهيد أثناء جهاده إلى مخاطر جمة ، وظل مطاردا و دمه مهدرا من قبل جيش الاحتلال، وظل طوال سنوات نضاله الحافلة تحت مجهر المراقبة العسكرية الفرنسية الدقيقة، والمضايقة الأمنية اللصيقة ،ونتيجة لاشتداد المطاردة وإحكام طوق التضييق والمراقبة المستمرة حوله، أشار عليه بعض الأصدقاء بتدبير أمر ترحيله إلى تونس أو المغرب ، وجاء في شهادة المجاهد مسعودي بن سالم : أن قيادة الثورة بالزعفرانية ،وردت إليها رسالة من تونس سنة 1958 تأمر بضرورة الإسراع في إخراج الشهيدين عبد القادر بن حميدة ،وسي محمد بن لخضر عباسي عبر الحدود إلى تونس، بعد أن وصلتها معلومات تؤكد استهدافهما من طرف جيش العدو بالتصفية الجسدية أو بالاعتقال، لكن الشهيد بدا غير مقتنع تماما بهذا العرض الذي سبق وان رفضه من قبل ،وعارض بشدة فكرة الخروج من الجزائر تحت أي ظرف ،من منطلق إيمانه أن مقارعة العدو ومجابهة بطشه ينبغي أن تكون من داخل أرض الوطن، وبدل ذلك آثر العيش متخفيا بين شعاب المنطقة وجبالها، بعيدا عن أعين الاستعمار وأعوانه حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
-في أوائل شهر نوفمبر 1958 ، ترصدت له فرنسا عن طريق عيونها و أعوانها من الخونة والعملاء، وخوفا من تسلله إلى جبل الزعفرانية القريب منه ، حرك الجيش الفرنسي قوة عسكرية من قـواته المرابطة بمركزي وادي الشعير وبن سرور بهدف الإطباق عليه من الجهتين ،وإلقاء القبض عليه دون أن يترك له فرصة للنجاة ، لكنه نجح في التسلل واختراق الطوق العسكري المضروب حوله، وبعد مطاردة شاقة له في أحراش المنطقة وجبالها، استطاع التوغل والتواري عن أنظار مطارديه، والسير بوادي عميق يقوده إلى جبل منيع صعب المسالك ، ونظرا لوعورة المكان توقفت الآليات الفرنسية عن المطاردة،فأمروا الحركى باللجوء إلى استعمال الخيول التي كانت منهمكة في حراثة الأرض قريبا من مسرح العملية، وما هي إلا لحظات حتى أمسكوا به ،بعد أن أصابوه بجراح بالغة ،وتم اقتياده إلى مقر القيادة العسكرية بوادي الشعير قصد معالجته واستنطاقه ، ولما يئس المحققون من عدم إمكانية الحصول على أية معلومات منه ،أدركوا خطورة بقائه على قيد الحياة، فقرروا تصفيته و التخلص منه بعد أيام قليلة من اعتقاله ،وتم إعدامه بدم بارد دون محاكمة ،ودون أن يرف لهم جفن، مع اثنين من رفاقه المجاهدين حيث اقتادوهم إلى “جبل ميزارزو” قرب الزعفرانية مقر قيادة جيش التحرير الوطني ، وأطلقوا عليهم الرصاص ثم وضعوهم في مغارة في عمق الجبل(انظر الصورة المرفقة) وألقوا عليهم قنبلة يدوية، رحمهم الله جميعا.
وهذه قصيدة للشاعر الأردني من أصل فلسطيني الدكتور غالب أحمد الغول، أشاد فيها بخصال الشهيد عباسي ورفاقه في الجهاد والعمل الوطني، ونشرها في كتابه الصادر بعمان وعنوانه 🙁 بوسعادة الجزائرية بين الأمس واليوم) “
إني أرى الشهداء كالأشماس *** أنوارُهم في باحة الأعراس ِ
قم يا أخي حيِّ الشهيد محمداً *** بن لخضر العباسي بالأجراسِ
هاتوا زهور الروض فوق ضريحه *** باقاتها تزهو على الأقواسِ
هو حافظ القرآن كان نصيبه ***أجر الشهيد على ذُرى الأوراس ِ
هذا ابن لخضر سامقٌ بعلومه *** بالفقه طاف بأقدسِ الأقداسِ
هو تربويٌّ في السياسة حاذقٌ *** هو مصلحٌ في الخير بين الناسِ
قد كان رمزاً في القضاء وصيتُه *** فوق الثريا من شذا الألماس
يا سي محمد بن معاشٍ أنت في *** عدل القضاء بدقة الإحساسِ
ومحمد بن رمضان صديقه *** قاضٍ له الأفضال عند الناسِ
من يفتتح دار الحديث نُجِلُّهُ *** في تلمسان فكان كالحوّاسِ
دار الترقي ندوة يرنو لها *** بالعقل والأقلام والقرطاسِ
وتراه في الأحزاب مثل منارة *** لينال تجربة من الحرّاسِ
وصديقه عيسى ابن بسكر عالمٌ *** في كل علمٍ سابق الأفراس
قهر الدخيل بعزمه وثباته *** في الحرب قضّ مضاجع الأنجاسِ
هم لاحقوه وطاردوه وأحرقوا ***كل التجارة , من نُهى الإفلاسِ
نصبوا له فخّ الجريمة في الدجى *** ورموه في وادي الشعير بباسِ
قتلوه ظلماً دون محكمة تُرى*** وطغى عليهم فاعل الأرجاس
لله درك يا جزائر أمتي *** أنجبتِ منك مجاهد الأنفاس
من كان يسمو للخلود شهادة *** كمحمد بن لخضر العباسي؟
عبد الحميد عباسي
ملاحظـــة/ تم الاستناد في كتابة سيرة الشهيد على ما نُشر في بعض الكتب والجرائد وشهادات رفاقه وتلاميذه.

عن كل الاراء تعبر عن أصحابها ولا تعبر عن موقعنا

%d مدونون معجبون بهذه: