حين قررت مجموعة 22 تفجير الثورة دخلت القيادة المنبثقة في مرحلة التحضير وتميزت هاته التحضيرات باعتماد السرعة القصوى للانتقال للعمل المسلح لعدة أسباب ويرجعها محمد بوضياف الى العمل على الاستفادة من حالة الارتباك الذي عاشها الحزب (حركة الانتصار) وكذلك لتفادي الخطأ الذي وقعت فيه المنظمة الخاصة من طول انتظار مما أدى الى اكتشافها واعتقال العديد من عناصرها يضاف الى ذلك إحجام مجموعة قسنطينة عن مواصلة التحضير للثورة ومن بين هاته المجموعة 40 عضوا مطلعين على التحضيرات الجارية للثورة حيث تم تسريحهم، وبالتالي أصبح خطر اكتشاف التحضيرات قائما.
اندلعت الثورة في 1 نوفمبر وتم توزيع بيان أول نوفمبر في نطاق محدود رغم وقوع عمليات عسكرية في اغلب مناطق الوطن، لكن الأهداف التي كانت يصبو اليها مفجرو الثورة فقد تعثرت نسبيا في بدايتها، فبالنسبة للهدف الأساسي والمتمثل في مفاجأة الجماهير وتفجير الثورة وشموليتها
فقد تحقق، أما بالنسبة للمحطة الثانية المتعلقة بالتعريف بالجبهة فقد عرفت تعثرا في البداية لعدة أسباب ابرزها كون مفجري الثورة اغلبهم مجهولون لدى الراي العام وكان نضالهم قبلها في صفوف المنظمة الخاصة وبالتالي تميز نشاطهم بالسرية والتستر بعد اكتشاف المنظمة الخاصة، السبب الثاني ظهور الحركة الوطنية كفصيل مسلح ابتداءا من ديسمبر 1954 وتبنيها للثورة وإطلاق تسمية جيش التحرير الوطني على جناحها المسلح مثل تسمية جبهة التحرير لجناحها المسلح، يضاف الى ذلك قيادات الحركة الوطنية معروفة لدى الجماهير ومن ابرزها مصالي الحاج الذي كان يعتبر على مدار عقود رائد الحركة الاستقلالية والسبب الثالث في هذا التعثر عدم وجود قيادة مركزية للثورة بالداخل، وتفكك قيادة الجبهة فمنهم من استشهد ومنهم من اعتقل. حيث كان من المقرر أن يلتقي القادة في جانفي 1955.. لتقييم الأوضاع ودراسة المستجدات، لكن لم يحدث ذلك ولذا لم يكن هناك أي تنسيق بين المناطق وباتت كل منطقة تجتهد بطريقتها الخاصة، وكان من المفروض ان يتولى محمد بوضياف التنسيق بينها لكن عدم وصول الأسلحة والذخائر التي دفع ثمنها بوضياف لعبد الكبير الفاسي … لم تصل مما اظطره للخروج من الوطن لمعالجة المشكل
بناءا على هاته المعطيات ورغم تعدد العمليات العسكرية، أصبحت الضبابية تسود حول من يقود الثورة فالحركة الوطنية الميصالية تبنتها والجبهة من جهة اخري تدحض هاته المزاعم وتتبنى تفجيرها في خضم ذلك ظهرت مجموعات مسلحة في بعض المناطق بدون أي ولاء حزبي وتبنت الجهاد دون مسميات ومنها زيان عاشور.
ولد زيان عاشور سنة 1919 بالبيض بأولاد جلال، وزاول تعليمه في زاوية برميلة بالقصيعات، ثم انتقل الى عين الملح حيث حفظ القران وواصل تعليمه بزاوية الشيخ المختار بأولاد جلال، وفي سنة 1939 تم تجنيده عنوة في صفوف الجيش الفرنسي ولم يتم تسريحه إلا سنة 1945 ليبدأ نشاطه النضالي في صفوف حركة الانتصار للحريات الديمقراطية، وبعدها في سنة 1948 اعتقل بسبب نشاطاته السياسي وحين خرج من السجن توجه الى فرنسا ولم يعد الا سنة 1952 ليعاد اعتقاله سنة 1953 وتعرض للتعذيب خلالها، وعند اندلاع الثورة وفي الأسبوع الأول من الثورة تم اعتقاله ولم يخرج من السجن الا في جويلية 1955، حين خرج زيان عاشور لم تكن طلائع الثورة قد وصلت الى الصحراء الا بعد 20 اوت 1955 إذ قدم الى المنطقة 8 مجاهدين من الاوراس واقتصرت مهمتهم في البداية على جمع السلاح والمؤونة والتبشير بالثورة قبلها كان زيان عاشور على علم بقرب اندلاع الثورة منذ صيف 1954 حيث التقى بمحمد بوضياف الذي اطلعه بان الثورة ستندلع قريبا وطلب منه حين اندلاعها التنسيق مع مصطفى بن بولعيد، لكن لما خرج زيان عاشور من السجن في جويلية 1955 كان مصطفى بن بولعيد حينها في السجن، فسعى زيان وباجتهاد منه في الاعداد للثورة بالمنطقة وهيكلتها فانشأ اللجان في مناطق بوسعادة، والجلفة، وأولاد جلال، الاغواط وسعى الى جمع السلاح والمؤونة، والتجنيد وفقد إعتمد في ذلك على الخارجون عن القانون من المطاردون من السلطات الفرنسية قبل الثورة، ورجال الدين، فضلا عن المتطوعين اغلبهم من البدو، ولم يكن من السياسين في صفوفه إلا عدد قليل ممن كانو في حزب الشعب وأحباب البيان، تعداد المجندين وراء زيان يتراوح بين 700 و1000 حسب ماجاء في كتاب “حرب الجزائر” لكاتبه هنري الاق إذ يقول بان جيش زيان عاشور بلغ 1000 مجند في أكتوبر 1955، وبقي زيان ينتظر إشارة الانطلاق في العمليات الى غاية ديسمبر 1955 حيث تمكن مصطفى بن بولعيد من الفرار من السجن وكلف زيان رسميا بوثيقة حملها له سي الحواس ليكون على راس الوحدات المتواجدة بالصحراء
زيان في مواجهة الجيش الفرنسي
بمطلع سنة 1956 بدأت العمليات العسكرية في منطقة الصحراء والهضاب بإشراف من زيان عاشور ومن أبرزها الهجوم على قافلة عسكرية فرنسية تم خلالها القضاء على 7 فرنسي و2 حركي، وعملية أخرى قادها عمر ادريس مساعده حيث نصب كمين لقافلة قادمة من راس الضبع تم خلالها القضاء على عدد من الجنود وغنم أسلحة وذخيرة. وفي افريل 1956 نصب زيان كمينا لقافلة في المكان المسمى ڤعيڤع وتحول الكمين الى معركة دامت يومين كبدت العدو خسائر جمة
في ماي 1956 تم الهجوم على موقع عسكري بعين الريش وخلاله تم غنم 50 قطعة سلاح وقتل جنود فرنسيين وفي 1956 وقعت معركة بوكحيل تم اسقاط طائرة خلاله ثم الهجوم على مركز عمورة العسكري، وفي 9 نوفمبر هاجم جيش زيان محطة الكهرباء بالأغواط تم خلالها القضاء على 9 جنود فرنسيين وإلحاق خسائر بالمحطة قدرت بـ 500 مليون، وهناك عمليات أخرى لا يسع المجال لذكرها.
ونتيجة لهاته العمليات المتتالية استشعرت القيادة الفرنسية الخطر الذي يشكله جيش زيان، فقامت باستحداث قيادة العمليات العسكرية الجنوبية واوكلت لها مهمة الاشراف على المنطقة الممتدة من غرداية الى أولاد جلال وكان مقر هاته القيادة بالأغواط تم تجهيزها بإمكانيات هائلة منها طائرات الاستطلاع والمئات من الجنود وتولي قيادها العقيد كاتر ابتداءا من أكتوبر 1956، واوكلت لها مهمة تصفية وحدات جيش التحرير بالصحراء.
إذا كان زيان قد نجح الى حد بعيد في نشر الثورة بالصحراء والقيام بالعشرات من العمليات العسكرية، فان ولاءه السياسي بقي محل تجاذب بين جبهة التحرير الوطني والحركة الوطنية المسلحة، ولعل السبب في هذا الالتباس يعود الى الضبابية التي سادت الثورة في بدايتها كما أسلفنا. ومن جهة أخرى غياب التنسيق بين قادة الثورة، وغياب مصطفى بن بولعيد بسبب الاعتقال ثم استشهاده المبكر في 23 مارس 1956، يضاف الى ذلك شخصية زيان الدينية التي لا تؤمن الا بالجهاد في سبيل الله، دون مسميات حزبية. ومما زاد الغموض كذلك الاخبار المتناقضة التي كانت تصل زيان حول الصراع القائم بالشمال بين جبهة التحرير والحركة الوطنية، هاته الاخبار كانت تصله عن طريق بعض المجاهدين الذين أرسلهم لدعم إخوانهم في الشمال خاصة منها منطقة الولاية الثالثة والرابعة، وتلقو معاملة سيئة مما جعل البعض منهم يعود وفي هذا ننقل بعض هاته الشهادات.
شهادة المناضل عبد القادر عمران
المناضل عبد القادر عمران الذي كان على راس أول خلية لدعم الثورة ببوسعادة قبل وصول الثورة الى المنطقة وكان ينسق مع المنطقة الرابعة بقيادة اوعمران من اهم ما جاء في شهادته، وقبل ان يتلقى زيان الامر بقيادة منطقة الصحراء أرسل افواجا الى باليسطرو والاخذرية حاليا للجهاد مع إخوانهم. لكن تعرض البعض منهم للاعتقال، فيقول عبد القادر عمران بانه وجد مجموعة من منطقة أولاد جلال معتقله في ضواحي ديرة بتهمة الانتماء للحركة الوطنية وكان عددهم 11 شابا، فاتصل بهم عبد القادر وعلم بجهلهم بالصراع القائم بين الحركة الوطنية وجبهة التحرير فتوسط لهم عند اوعمران واخبره بانهم يتبعون مصطفى بن بولعيد، فتم إطلاق سراحهم وقام عبد القادر بارجاعهم الى جبل بوكحيل حيث يتواجد زيان ويضيف عبد القادر بانه بعد لقاء اوعمران مرة ثانية استفسره عن الانتماء السياسي لزيان عاشور فاخبره بانه قبل الثورة كان مصاليا وبعد الثورة لا يعرف انتماءه حينها كتب أوعمران رسالة وطلب من عبد القادر ايصالها لزيان وهو ماتم إذ قام زيان بعدها بتحرير رسالة الى اوعمران وطلب من عبد القادر توصيلها وقال له بلغ اوعمران باننا كلنا مجاهدون في سبيل الله وطريق لاروكاد هي الحد الفاصل بيننا فشمالا تحت قيادتكم وجنوبا تحت قيادتي وهدفنا واحد هو محاربة الاستعمار وتحرير الوطن
ما يمكن ان نلتمسه من هاته الشهادة التي جرت في أواخر 1955 بان انتماء زيان عاشور السياسي لدى المنطقة الرابعة كان مجهولا، والصورة التي تنقلها الجنود العائدون من الشمال لم تعجب زيان بالتأكيد وترسم صورة سيئة عما يقع بالشمال.
شهادة عاشور الشاوي
يقول هذا الأخير بانه في أواخر 1955 تدخل زيان عاشور أمام كتائبه وقال بان اخوان لنا في باليسترو يجاهدون وهم في حاجة للدعم فمن يرغب في التطوع للجهاد معهم لمدة شهرين، فتطوع 30 مجاهد وكنت من بينهم، ولما وصلنا الى منطقة ديرة كنا نجهل الصراع القائم بين الحركة الوطنية والجبهة، ووجدنا أنفسنا في صفوف فصيل تابع للحركة الوطنية المسلحة وكان أصحاب هذا التيار يقولون لنا باننا نحارب فرنسا و الكريميست(نسبة الى كريم بلقاسم) ومرة يقولون بانهم يحاربون الكريا اللم (اللجنة الوطنية للوحدة والعمل) وقالو لنا بان هاته المجموعات أنشأتها فرنسا لمحاربتنا. لكن مع الوقت بدات الأمور تتضح بعد ان خضنا معارك ضد الفرنسيين، والكريمست، فشعرنا بان مجموعة الحركة الوطنية التي يقودها بلونيس تعاملنا معاملة تمييزية اذ ينزعون اسلحتنا الحربية ويعطوننا بنادق صيد، ويسندون المسؤولية للجنود القبائل فقط، كما لاحضنا الكريميست او بالأحرى جبهة التحرير حالهم مثل حالنا إذ يعانون من شح المؤونة واهتراء اللباس ويحاربون فرنسا وليس هناك ما يدل عن دعم فرنسا لهم، فما كان منا اللا تحيين الفرصة للهروب وهو ماتم وعدنا الى قواعدنا عند زيان عاشور، بعد عودتنا ارسل بلونيس رسالة الى زيان يطلب من خلالها ارجاع الجنود الذين فرو وفي حالة العكس يقول بلونيس ساحاربهم مثلما أحارب الجبهة وفرنسا ولا ينقذكم احد ولو كان بن بولعيد فرفض زيان الطلب وتتطابق شهادة غربي عطا الله في مذكراته بعنوان ”من جرجرة الى بوكحيل” مع شهادة الشاوي إذ يقول بانه تجند في صفوف مجموعة قدمت الى حد السحاري مع نهاية 1955، وتم ارساله الى منطقة جرجرة وهناك التقى بالمجموعة التي أرسلها زيان عاشور حيث وجدو انفسهم في صفوف جماعة بلونيس ومكث 20يوما حيث شارك في عدة عمليات ضد مجموعة جبهة التحرير وكانت التسمية التي اطلقت عليهم “الكريا” ومعارك ضد الفرنسيين، وبعد مدة أكتشف بانه في طريق الخطأ ففر صحبة 10 جنود وعاد الى جيش زيان عاشور ونقل له صورة عن الوضع القائم بالشمال.
من خلال هاته الشهادات وغيرها وجد زيان نفسه في ضبابية ومما زاد الامر تعقيدا عدم وجود قيادة مركزية للثورة بإمكانها الفصل في هذا الخلاف وغياب التنسيق بين المناطق
علاقة زيان ببلونيس
بعد ظهور أفواج الحركة الوطنية المسلحة في منطقة القبائل، حدثت وقعت المواجهات الأولى بين جيش جبهة التحرير والحركة الوطنية ابتداءا من أكتوبر 1955 واستمر الصراع الى ان نزح بلونيس وجيشه الى منطقة حد الصحاري، وحين وصل بلونيس الى حدود تواجد جيش زيان عاشور ارسل رسالة فحواها بانه تعرض للاضطهاد والمتابعة من طرف القبائل ويطلب منه المساعدة بالمؤونة والسلاح، فاستشار زيان الحواس في الامر، فاشار عليه هذا الأخير بتزويده بالمؤونة دون السلاح وتم تزويده بالمؤنة لكن بمطلع ماي 1956 حاولت مجموعة من اتباع بلونيس التقدم في ناحية مناعة التابعة لزيان فامر زيان عاشور عمر ادريس بطردهم من المنطقة، وحاول بلونيس استمالة عمر ادريس الى صفوف الحركة الوطنية إذ ارسل له رسالة بواسطة المجاهد بوبكر هتهات، فرد عليه عمر ادريس بقوله (خرجنا من اجل تحرير الوطن من الاستعمار ولسنا ثائرين ضد الجبهة او الدماغ.)
وبالتالي فان علاقة بلونيس وزيان عاشور كانت تتميز بالحذر، فيقول أحد اتباع زيان غربي عطا الله، بأنهم تلقو تعليمات بعدم الكلام او الاتصال بعناصر بلونيس مهما كانت الأسباب.
وللتذكير في هذا الوقت لم تصل تعليمات من جبهة التحرير تدعوا الى محاربة عناصر الحركة الوطنية، بل حتى المنطقة الأولى التي ينتمي لها زيان عاشور بقيادة مصطفى بن بولعيد لم تتخذ موقفا واضحا من عناصر الحركة الوطنية، بل هناك من قادة أفواج المنطقة الأولى كانو يفتحون الجلسات باسم مصالي الحاج وبالنسبة لزيان عاشورنؤكد بان الصبعة الدينية في تصرفاته جعلته أكثر حذرا في حمل السلاح ضد مواطن جزائري. متتفاديا سفك الدماء.
يتبع
الباحث ناصر لمجد
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
