يعدّ الشيخ لقدي لخضر بن ربوح الغريبي النائلي الإدريسي من الوجوه العلمية التي اهتمت بالفقه وعلوم الشريعة في الجزائر، حيث جمع في مسيرته بين التكوين الأكاديمي والاهتمام المتواصل بالدراسات الشرعية والفقهية.
ولد الشيخ ليلة الاثنين 06 محرم 1376 هـ الموافق لسنة 1956، وقد استشهد والده خلال ثورة التحرير الجزائرية، لينشأ بعدها في كنف جده لأبيه. بدأ مسيرته العلمية مبكراً بدخول الكُتّاب، حيث حفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ الدين على يد أحد شيوخ القبيلة الذي كان معلماً للقرآن، كما تلقى مبادئ الفقه على يد أحد أخواله الذي كان إمام المسجد الوحيد في القرية آنذاك.
واصل الشيخ دراسته النظامية إلى غاية التعليم الثانوي، وبعد حصوله على شهادة البكالوريا شعبة رياضيات التحق بجامعة الجزائر، حيث نال شهادة الليسانس في الفيزياء، في فترة لم تكن فيها تخصصات الشريعة متوفرة في الجامعة الجزائرية. وبعد تخرجه عمل أستاذاً للتعليم الثانوي قبل أن يتولى مهام إدارة إحدى الثانويات.
تعود بدايات اهتمامه العميق بالفقه إلى سنة 1971، عندما وقع في يده كتاب القوانين الفقهية لابن جزي، فكان ذلك منطلقاً لرحلته مع الفقه الإسلامي. وقد استفاد خلال مسيرته من عدد من علماء الجزائر، حيث داوم على حضور حلقات الشيخ أحمد سحنون، والشيخ محمد المدني بوساق، كما استفاد من دروس وفتاوى الشيخ أحمد حماني، إضافة إلى لقاءات متعددة جمعته بعلماء من داخل الجزائر وخارجها.
كما شارك في دورات علمية وفقهية متعددة كانت تنظم في مساجد مدينة بوسعادة، أشرف عليها عدد من علمائها وطلبة العلم المتخرجين من جامعة أم القرى، وهو ما أسهم في تعميق معارفه الشرعية واستمرارية اهتمامه بالفقه وعلوم الشريعة.
ويرى الشيخ لقدي لخضر أن دور المفتي في الجزائر لا يختلف عن دوره في سائر البلدان الإسلامية، حيث يتمثل أساساً في بيان الأحكام الشرعية والإجابة عن أسئلة الناس في أمور الدين، شريطة توفر الأهلية العلمية والكفاءة في استنباط الأحكام، والقدرة على الترجيح بين الأقوال الفقهية وفق أصول المذهب المعتمد.
ويؤكد أن الفتوى مسؤولية علمية كبيرة، لأنها تسهم في حل قضايا الناس وتنظيم حياتهم وفق الشريعة الإسلامية، وهو ما يفرض على المفتي الإلمام بواقع المجتمع ومشكلاته، مع المحافظة على مقاصد الشريعة وأصولها.
وفي نظره، فإن غياب المجتهدين في كثير من البلدان الإسلامية يجعل من الاجتهاد الجماعي عبر المجامع الفقهية ومجالس الإفتاء ضرورة ملحة، لما يتيحه من تبادل للخبرات وتكامل في الرؤى العلمية لمعالجة النوازل المعاصرة.
كما يشير الشيخ إلى أن القضايا التي تواجه المجتمعات الإسلامية اليوم أصبحت أكثر تعقيداً وتشعباً، وتشمل قضايا الأسرة والمعاملات المالية والفتاوى الاجتماعية، إضافة إلى المسائل الطبية المعاصرة مثل زراعة الأعضاء والتلقيح الاصطناعي وغيرها من النوازل التي تحتاج إلى معالجة فقهية دقيقة.
ويرى أن تعزيز الوعي الديني في المجتمع يتطلب تكامل جهود البيت والمدرسة والجامعة والمسجد، مع التركيز على ترسيخ القيم الإسلامية الأساسية مثل الصدق والعدل والأمانة والتعاون وإتقان العمل، إلى جانب تعزيز قيم المواطنة والمسؤولية الاجتماعية.
كما يؤكد على أهمية دور الشباب في الحفاظ على الهوية الإسلامية، مع ضرورة أن يتلقوا تربية سليمة ووعياً علمياً كافياً، مشدداً على أن طلبة العلم الشرعي ينبغي أن يتعلموا ويجتهدوا قبل تصدرهم للفتوى أو الخطابة.
ويختم الشيخ رسالته بالتأكيد على أن الجزائر بلد قدم من أجله الشهداء تضحيات عظيمة، وأن الحفاظ عليه وصون قيمه الدينية والوطنية مسؤولية مشتركة بين جميع أبنائه.
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
