الحمد لله رب العالمين حمدا يملأ بين الأرض والسماء، والصلاة والسلام على على صاحب السنة العصماء وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى واقتدى.
روى الترمذي وأبو داود عن النعمان بن بشير (الحج عرفة) وعرفة هو أعظم أيام السنة، فهو يوم اللقاء الأكبر والتجلي الإلهي والمغفرة.
جاء حبر من أحبار اليهود إلى سيدنا عمر بن الخطاب وقال له: إنكم تقرؤون آية في كتابكم لو نزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا يوم نزولها عيدا، فقال عمر: وأي آية؟ قال: قوله ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا))، تأمل جيدا أخي المسلم إلى الجواب العمري الفاروقي: والله إني لأعلم متى نزلت وأين نزلت، نزلت على رسول الله عشية عرفة يوم جمعة، عمر متذكر وأجاب لأن هذه الآية تدل على اكتمال الوحي وتمام النعمة، لأن اليهودي عرف قيمتها واستشعر عظمتها، أما نحن المسلمين مع الأسف لم نقدر هاته النعمة حق قدرها.
ولكن أخي المسلم لماذا لم ينزل اكمال الدين في مكة يوم الفتح؟ ولماذا لم يكن في المدينة؟ لماذا اختار الله سبحانه وتعالى يوم عرفة؟ لأن عرفة هي موطن ومكان التجرد التام، وكأن مشهد يوم عرفة يفسر قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ))، أليس في مكة مساكن وبيوت؟ أليس في المدينة حصون وأماكن وأموال؟، أما في عرفة فليس هناك إلا تراب وسماء ودعاء وعبادة وربما عناء، وأناس قد تجردوا من مظاهر الدنيا وفوارقها، لذلك أراد الله سبحانه أن يعلن إكمال دينه وإتمام نعمته في المكان الذي تساوى فيه البشر وتجردوا من كل عوائق الدنيا، وكأن الدين لا يكتمل إلا في قلب عبد مؤمن متجرد من حظوظه كتحلل الحاج المحرم في عرفة.
عرفة أرض الموقف: آلاف البشر يقفون على صعيد واحد في مساحة محدودة معلومة، لباسهم واحد هذا اللباس ليس مجرد تشريع بل إعلان وفاء لكبرياء الانسان.
نرى في الدنيا تميز الملوك والسلاطين والرؤساء بتيجانهم وثيابهم، والأغنياء بأزيائهم وتبخترهم، واستعلاء العبد على أخيه العبد، فجاء التشريع الإلهي في عرفة وقد ذلل تلك الفوارق ليقول للجميع: “اخلعوا فوارقكم على عتبة عرفة”.
في عرفة: يلتقي أصحاب الجاه وأهل المال والحكام وغيرهم مع عمالهم وخدامهم جنبا إلى جنب يرتدون ثيابا تذكرهم بأكفان الرحيل، وتبين لهم أنهم عبيد لسيد واحد، ويكسر في النفس شهوة الكبر وصفة الخيلاء ويعرف العبد بحقيقته، فيقول: ما أنا إلا مجرد عبد خرجت من بطن أمي بغير ثياب وسأخرج من دنيا النصب والتعب بلا ثياب فبماذا أتكبر؟ قال الأصمعي عن أبيه، قال: مر المهلب على مالك بن دينار متبخترا، فقال: أما علمت أنها مشية يكرهها الله إلا بين الصفين؟! فقال المهلب: أما تعرفني؟ قال: بلى، أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة. فانكسر، وقال: الآن عرفتني حق المعرفة.
لذا نجد الكثير من الحجاج يرجعون بغير الوجه الذي ذهبوا به، لأنهم فازوا بالرضوان والمغفرة، وكيف لا وقد باهى بهم ربهم الملائكة: (انظروا إلى عباديِ، أَتَوْنِي شُعْثًا غَبْرًا).
الشيخ الداعية لخضر مجيدي
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
