ليس القصد من الصيام مجرد الإمساك عن الطعام والشراب والشهوات؛ وإنما تعظيم أمر الله عز وجل، وتحقيق المقصد الأسمى وهو التقوى، وهذا لا يكون إلا بالإمساك عن كل ما يغضب الله تعالى، والحرص على صيانة العبادة وحمايتها من كل ما يفسدها أو يبطلها.
ومبطلات الصيام نوعان، الأول: يوجب قضاء يوم مكان اليوم الذي أفطره، ويضاف إلى ذلك الكفارة، وهي تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يجد فإطعام ستين مسكيناً، أما النوع الثاني فيوجب القضاء فقط.
مبطلات الصوم التي توجِب القضاء والكفارة
1- الجماع عمداً:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن جماع الصائم في نهار رمضان عامداً مختاراً بأن يلتقي الختانان؛ مفطر يوجب القضاء والكفارة، أنزل أو لم ينزل، ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكْتُ، قَالَ: «مَا لَكَ»، قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟»، قَالَ: لَا، فَقَالَ: «فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟»، قَالَ: لَا.
قَالَ: فَمَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ، وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ، قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ؟»، فَقَالَ: أَنَا، قَالَ: «خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ»، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَوَاللهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ»(1).
ولا خلاف في فساد صوم المرأة بالجماع لأنه نوع من المفطرات، فاستوى فيه الرجل والمرأة، وإنما الخلاف في وجوب الكفارة عليها:
فمذهب أبي حنيفة، ومالك، وقول للشافعي، ورواية عن أحمد وهي المذهب عند الحنابلة، وجوب الكفارة عليها أيضاً، لأنها هتكت صوم رمضان بالجماع فوجبت عليها كالرجل، وقد شاركته فيها، وقد استويا في الجناية، والبيان في حق الرجل بيان في حق المرأة، فقد وجد فساد صوم رمضان بإفطار كامل حرام محض متعمد، فتجب الكفارة عليها بدلالة النص، ولا يتحمل الرجل عنها؛ لأن الكفارة عبادة أو عقوبة، ولا يجري فيها التحمل(2).
وفي قول للشافعي وهو الأصح عندهم، ورواية أخرى عن أحمد: أنه لا كفارة عليها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الواطئ في رمضان أن يعتق رقبة، ولم يأمر المرأة بشيء، مع علمه بوجود ذلك منها؛ ولأن الجماع فعله، وإنما هي محل الفعل(3)، ولعل هذا فيما إذا كانت رافضة للجماع ثم أُجبرت عليه ولم تجد مفراً منه.
2- الأكل والشرب عمداً دون عذر شرعي:
إذا أكل الصائم في نهار رمضان أو شرب غذاء أو دواء، طائعاً عامداً، بغير خطأ ولا إكراه ولا نسيان، أفطر وعليه القضاء والكفارة.
وضابطه عند الحنفية: وصول ما فيه صلاح بدنه لجوفه، بأن يكون مما يؤكل عادة على قصد التغذي أو التداوي أو التلذذ، أو مما يميل إليه الطبع، وتنقضي به شهوة البطن، وإن لم يكن فيه صلاح البدن، بل ضرره.
وشرطوا أيضاً لوجوب الكفارة: أن ينوي الصوم ليلاً، وألا يكون مكرهاً، وألا يطرأ عذر شرعي لا صنع له فيه، كمرض وحيض(4).
وشرط المالكية: أن يكون إفساد صوم رمضان خاصة، عمداً قصداً لانتهاك حرمة الصوم، من غير سبب مبيح للفطر(5).
ودليل وجوب الكفارة على من أكل أو شرب عمداً، ما ورد في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً أفطر في رمضان، أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكيناً، فإنه علق الكفارة بالإفطار(6).
ومذهب الشافعية والحنابلة عدم وجوب الكفارة على من أكل أو شرب عمداً في نهار رمضان أداء، وذلك لأن النص -وهو حديث الأعرابي الذي وقع على امرأته في رمضان- ورد في الجماع، وما عداه ليس في معناه، ولأنه لا نص في إيجاب الكفارة بهذا، ولا إجماع(7).
مبطلات الصوم التي توجِب القضاء فقط
1- القيء عمداً.. فإن غلبه القيء فلا قضاء عليه: ففي سنن ابن ماجه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ».
2- الحيض والنفاس: ولو في اللحظة الأخيرة، قبل غروب الشمس.
3- الاستمناء: تعمد إخراج المني بأي سبب من الأسباب.
4- تناول ما لا يتغذى به، من المنفذ المعتاد، إلى الجوف: مثل تعاطي الملح والقمح والشعير والحمص والعدس، والثمار التي لا تؤكل قبل النضج، كالسفرجل والجوز.. فهذا يفطر في قول عامة أهل العلم.
5- نية الفطر: من نوى الفطر -وهو صائم- بطل صومه، وإن لم يتناول مفطراً، فإن النية ركن من أركان الصيام، فإذا نقضها -قاصداً الفطر ومعتمداً له- انتقض صيامه لا محالة.
6- الأكل أو الشرب أو الجماع وهو يظن غروب الشمس أو عدم طلوع الفجر، ثم ظهر خلاف ذلك؛ فعليه القضاء عند جمهور العلماء(8).
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
